آخر أسرار الهيكل: أيقونة سوسمان بالمقارنة مع دان بروان

الخيوط متعددة ومعقدة، بدءًا من جريمة قتل في الأقصر، يحقق فيها الضابط خليفة، وبالتوازي مع ذلك نظيره الإسرائيلي آري بن روي فى تل أبيب، مستمر في بحثه المحموم عن (الملثم) قاتل خطيبته، وعلى مرمى حجر منه فى القدس؛ الفلسطينية ليلى المدني، في سجالاتها مع جماعة (أنصار داوود) المتطرفة.

كما تشمل خريطة الرواية ألمانيا النازية وتنقيباتهم الأثرية، مما يعرج بنا إلى ملفات قديمة كالحملات الصليبية والكاثار وكنيسة القيامة. كل ما سبق يبدأ وينتهي بأن يصب في آخر أسرار الهيكل.. المينورا المقدسة.

منذ فترة طويلة لم أقرأ رواية بهذا التنقل الشيق، بعزف على أوتار جغرافية مختلفة، ما بين الأقصر، القدس، تل أبيب، ألمانيا، فرنسا. كل الأشخاص مرسومين بإنسانية عالية، كلهم بشر، لا يوجد لدى سوسمان شياطين ولا ملائكة.

أول تعارفي بعالم سوسمان عبرته من بوابة (جيش قمبيز المفقود)، استدعت مخيلتي اسم براون تلقائيًا، وأتصور أن هذا حدث مع الكثيرين غيري.

سابقًا، تصورت لفترة طويلة أن الأشهر دان بروان تفرد بلون لا يستطيع أحد مناطحته فيه، مطالعتي بالمصادفة لجيش قمبيز زلزلت اعتقادى السابق كثيرًا، هناك رجل بول اسمه سوسمان، يقدم نفس الجرعة من المغامرات المعاصرة بالغة التشويق على خلفية تاريخية ثرية. خصوصًا فى النقطة الأخيرة، نحن أمام رجل يشبه بروان في وصف كل الأماكن التى يتناولها بأدق التفاصيل وكأنما زارها بالفعل، يتعامل مع الأحداث السحيقة وكأنما رآها رؤى العين.

من العوامل المشتركة الأخرى:

– الأمريكي بروان يستعين بفريق بحث، نفس الشيء يفعله البريطاني سوسمان، وإن يتفوق الأخير بأنه قادم من أروقة المشتغلين بالآثار بالفعل.

– نقطة أخرى مشتركة لاحظتها فى حبكة كلاهما، تكمن في الجزء الأخير من رواياتهما، حيث يدخرا للقارئ مفاجأة قاسية، عندما يتضح أن أحد الشخصيات الخيرة، هي شريك أساسي في كل الشرور منذ البداية.

مثّل التشابه الشديد بين العالمين أمرًا محمودًا بالنسبة إليّ، فنحن نتحدث عن لون أدبى بالغ التشويق، وبالكاد ينتظر المرء منا رواية يصدرها بروان كل عدة أعوام، فمن الجميل أن نكتشف وجود كاتب راحل، خلف لنا رصيد ممتع من نفس اللون الأدبي.

نعم، راحل، ولأشد ما ألمنى عندما عرفت بأن هذا الرجل العاشق لمصر، والذى كرس لها أغلب أعماله، مات وقلمه معه فى مايو 2012م.

المتعة الحاضرة في قلم البريطاني، أجبرتني أن أبحث عن أعمال أخرى له بعد جيش قمبيز، حتى حدث أحد أفضل الأشياء فى 2015 عندما وقع في يدي ملحمته (آخر أسرار الهيكل).

في الغرب عمومًا، عندما تكسر رواية كل التوقعات، وتصنع اسمًا لمؤلفها، يظل اسم هذه الرواية حاضرًا في أغلفة الأعمال التالية؛ فوجدت أعلى (جيش قمبيز المفقود) عبارة (بول سوسمان، مؤلف آخر أسرار الهيكل).

استنجت أن الأخيرة تعد أفضل أعماله، لكن لم أتوقع أن هذا المستوى!

أقلت سابقًا؛ أن جيش قمبيز ذكرتني بدان بروان، لولا أن ظلت هناك فجوة تفوق لصالح بروان، على الأقل كحبكة وثراء معلوماتي؟ حسنًا، (أسرار الهيكل) سحقت هذه الفجوة، لتحسم ميلي إلى بول سوسمان باعتباره الأفضل من وجهة نظرى.

أولًا: لحسن إدارته دفة الرواية عبرهذا الكم جغرافيا البلدان ونفسية شخصيات، مع استخدام في محله للتنقل الزمنى بين ماضيهم وحاضرهم، كلا، لقد أثبت سوسمان أنه لا يقل -على الإطلاق- في القدرة على إدارة خيوط العمل، مهما تشعبت. فى نفس الوقت، كل شخوصه حملت خلفياتها دراما قوية مؤثرة، يكفي كل منها لأن يكون موضوع رواية مستقلة وحده.

ثانيًا: أول مرة أيضًا أجد رواية مغامرات، تجتهد لتقدم حل لقضية سياسية، قد أختلف 180% درجة فى مدى واقعيته، لكن -بلا شك- احترمت اجتهاد المؤلف، ذلك المؤلف الذى كنت أكاد أرجع إلى الغلاف أكثر من مرة، لأتأكد أنه أجنبي، فكل التفاصيل التي ذكرها عن بلدنا، تجعلك تشك أنه مصري ابن مصري، يكن حب حقيقي لهذه الأرض.

إذا عرف السبب بطل العجب، فقد علمت أن الرجل عمل لأعوام طويلة في مصر كأثري؛ (بول سوسمان)، كان موضوعيًا إلى حد كبير، فيما يتعلق بنا، فيذكر البواب الذى ينتظر البقشقيش من السائحة فى تنطع، وفى نفس الوقت، يصف شخصيات من نفس البلد تحمل الخير والشر -معًا- مثل رئيس خليفة فى العمل، أو أشخاص أقرب ما تكون للخير المطلق مثل: خليفة، زوجته، معلمه حبيب.

استمرت نفس الموضوعية عندما تحدث عن إسرائيل، فكان تحيزه للإنسان، مهما اختلفت معه كعربي فى التسطيح الذى نتج عنه النهج، عندما ساو بين مغتصب الأرض، وبين أصحابها الأصليين.

تختصر الجارديان ما سبق بتعليقها المقتضب المذكور على غلاف الرواية، بأنها:

– رد القارئ الذكي على رواية (شيفرة دافنشي).

لعل هناك كلام أكثر وددت قوله حول بول سوسمان، ونقاط أروع وددت التغزل فيها بروايته، لولا أن الارتباك ودسامة الرواية تمنع أى تدوينة مهما طالت من أن توفيها حقها.

حسنًا، سأختصر هذا كله، وأقول أقرأوا (أسرار الهيكل) وكفى.

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى)، من رواياته (وراء الحواس، قربان، ..).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.