(أبناء هورين) جـ1: للمؤلف (ج ر تولكين)

• ترجمة: محمد فاروق المليجي.

كان (هادور ذهبي الرأس) [1] سيدا لـ( إيداين) [2] ومحبوبًا بشدة من (إلفيي الإلدر).

عاش هادور حياته تحت حكم الملك الإلفي (فينجولفين) الذي أعطاه أراضٍ واسعة بإقليم (هيثلوم) أُطلق عليها (دورلومين). تزوجت ابنة هادور
جلوريذيل [3] من هالدير ابن هالمير سيد قوم (بريثيل) [4]، وفي نفس الزيجة كان الموعد أيضًا مع زواج ابنه جالدور الطويل [5] من هارِث  ابنة هالمير.

أنجب جالدور وهارث ابنين؛ هورين وهيور. كان هورين -رغم كبر سنه عن هيور بثلاث سنوات- الأقصر قامة من باقي أقربائه، يشبه في هذا أقارب أمه هارث، وفيما عدا هذا يماثل جده هادور ذهبي الرأس قوي الجسد وحاد المزاج، لكنه رغم حدة مزاجه كان يتحكم في النيران التي تستعر داخله بإرادة حديدية، وكان -دونًا عن باقي رجال الشمال- الأكثر معرفة بتاريخ (إلفيي النولدور).

كان أخوه هيور طويلًا؛ الأطول في كل الـ(إيداين) –فيما عدا عن ابنه تيور– وكان عداءً سريعًا، لكن إذا كان السباق طويلًا وصعبًا تصير الغلبة لأخيه هورين لاحتفاظه بقوته في نهاية السباق كما هي في أوله. كان الحب بين الأخوين عظيمًا لذا نادرًا ما افترقا في شبابهما.

تزوج هورين من موروين ابنة باراجوند ابن بريجولاس من منزل (بي-أور) ولذا كانت على صلة قرابة قوية لـ(بيرين ذي اليد الواحدة) [6]. كانت (موروين) طويلة ذات شعر أسود داكن، ولبهاء نظرتها وإشراق وجهها أطلق عليها الرجال إليذوين [7] الإلفية المشرقة، ورغم بهاءها كانت دومًا متجهمة المزاج لما ملأ قلبها من مآسي منزل (بي-أور)؛ إذ أتت منفية إلى (دور لومين) من (دورثونيون) بعد الخراب الذي خلفته معركة (براجولاخ) [8].

تورين كان الاسم المختار للابن الأكبر من أبناء هورين وموروين، وقد وُلد في نفس عام مجيئ (بيرين ذو اليد الواحدة) إلى مدينة (دورياث) حينما رأى بيرين الأميرة (لوثيِّن)- والتي أُطلق عليها (تينوفيل)-[9]ابنة(ثينجول).

أنجبت موروين ابنة اخرى من هورين اسمها أوروين وكان لقبها الذي عرفت به من كل مَن عرفها في حياتها القصيرة هو (لالايث) والتي تعني (المرح والضحك).

أما هيور أخو هورين فقد تزوج من ريان ابنة عم موروين وابنة بيليجوند ابن بريجولاس والتي شكّل وجودها في مثل هذا الزمان قدرًا صعبًا إذ أن قلبها كان رقيقًا لا يحتمل آثار الحروب والمعارك، تحب الأشجار وأزهار البرية، تحب الغناء وتأليف الأغاني. لم يستمر زواج ريان من هيور أكثر من شهرين قبل أن يرحل مع أخيه هورين إلى معركة نيرنايث أرنويدياد [10] ثم لم تره بعدها ثانية.

**********

تعود القصة الآن إلى هورين وهيور في شبابهما حيث عاش الاثنان في (بريثيل) [11] كأبناء بالتبني لعمهما هالدير طبقا لتقاليد رجال الشمال في هذا الزمان، ولقوة هورين –رغم سنوات عمره التي لم تتعد السبع عشرة– وأيضًا لطول قامة (هيور) مثل الرجال البالغين كانا يذهبان دومًا للمعارك مع رجال (بريثيل) ضد الأوركيين الذين تحركوا في هذا الوقت ناحية الحدود الشمالية لأراضيهما.

ذهب هورين وهيور ذات مرة مع مجموعة من الكشافة في حملة استكشافية، لكن الأوركيين نصبوا لهم كمينًا فتشتت المجموعة من المفاجأة وانفصل الأخان عن المجموعة وطوردا حتى (مخاضة بريثياخ) [12] حيث كان بالإمكان الإمساك بهما أو قتلهما لولا أن أدركهما (أولمو– إله المياه) [13] الذي كان لا يزال قويًا، ويقال أن ضبابًا كثيفًا نشأ فوق مياه النهر أخفى بداخله الأخين عن أعداءهما، واستطاعا الهروب حتى وصلا إلى (ديمبار) [14] لتستقبلهما المتاعب والصعوبات الجمة في سيرهما داخل التلال أسفل الأسوار الحادة لـ(كريساي جريم) [15]؛ فتاها ولم يعرفا أي طريق يسلكانه للمضي قدمًا أو للعودة من حيث أتيا حتى لمحهما ثورندور ملك النسور العظيمة وأرسل إليهما اثنين من النسور لمساعدتهما ونجدتهما، فحملتهما خلف الجبال الدائرية وصولًا لوادي تيوملادن [16] حيث مدينة (جوندولين) [17] الخفية التي لم يرها بشر قبلهما على الإطلاق.

حينما علم تورجون ملك مدينة جوندولين من أي منزل أتى الاخان، أحسن استقبالهما إذ أن والدهما هادور كان صديقا للإلفيين، بالإضافة إلى أن الإله أولمو كان قد أشار عليه بحسن استقبال أبناء منزل (هادور)؛ «المنزل الذي ستأتي منه المساعدة عند الاحتياج» كما قال.

ظل هورين وهيور في ضيافة الملك لما يقرب من سنة، وقد قيل أن هورين -الذي تمتع بذهن حاد ومتحمس– قد علم الكثير من علوم وفنون الإلفيين وبعضًا من خطط وتوجهات الملك إذ أن تورجون أعجب كثيرًا بولدي جالدور وتحدث كثيرًا معهما، وكان يتمنى بقاءهما في (جوندولين) بدافع المحبة وليس فقط لأن قانون (جوندولين) يمنع تمامًا أي غريب –سواء أكان إلفيًا أو بشريًا– عرف الطريق إلى (جوندولين) أن يتركها ثانية حتى يأذن الملك بانطلاق الجيوش من جوندولين من مخبأها ويُعرف سر المدينة.

لكن هورين وهيور رغبا في العودة إلى أهلهما ومشاركتهم معاركهم وأحزانهم فقال هورين لتورجون:

– سيدي الملك، نحن على عكس إلفيي الإلدر من الفانين يمكن للإلدر أن يصبروا السنين الطوال حتى يأتي وقت حربهم لعدوهم مهما تأخر هذا الوقت، لكن بالنسبة لنا فالوقت قصير، وقوتنا وآمالنا سرعان ما تفنى وتضمحل. بالإضافة فنحن لم نعرف طريقنا لـ(جوندولين)، وبالتأكيد نحن لا نعرف حاليا مكانها إذ أننا جئنا –من وسط خوفنا وحيرتنا– محمولين في أعالي الهواء من النسور العظيمة وكانت أعيننا –رحمة بنا– مغطاة تمامًا.

عندها باركهم تورجون، وقال:

– بنفس طريقة مجيئكما ستكون عودتكما لو كان ملك النسور ثورندور موافقًا رغم حزني لهذا الفراق ولكننا –كما تنبأ الإلدر من قبل– سنتقابل قريبًا.

لكن مايجلين -ابن أخت الملك– والذي كان عظيمًا في مدينة (جوندولين) لم يحزن على فراقهما على الإطلاق، وكان راغبًا عن تلك الميزة التي أعطاهما إيها الملك إذ أنه لم يكن يحمل في قلبه أي حب على الإطلاق لجنس البشر، وقال لهورين:

– إن عطية الملك لكما أقيم مما تتخيلان، إذ أن البعض سيظن أن القوانين الصارمة للمدينة قد أصابتها الرقة لاثنين من أطفال عالم البشر غير المتحضرين.. من الأفضل بكل تأكيد أن تبقيا كخدم لنا ما بقي من عمركما.

أجاب هورين:

– إن عطية الملك عظيمة بكل تأكيد، ولكن إن كانت كلمتنا لا تكفي، إذن فإننا سوف نقسم لك.

قام الأخان بالقسم لمايجلين بعدم إفشاء أسرار الملك تورجون وما رأوه في المملكة، بعدها حملتهما النسور بالليل وأنزلتهما في (دور- لومين) قبل الفجر.

فرح أقربائهما بعودتهما جدًا إذ أن العائدين من (مخاضة بريثيل) من قبل أبلغوهم بفقدانهما، مع ذلك فقد حافظا على القسم ولم يخبرا أحدًا -حتى أبيهما- عن المكان الذي كانا فيه سوى أنهما تم إنقاذهما من البرية بواسطة النسور، فسألهما (جالدور):

– إذن أنتما بقيتما لسنة في البرية؟ أم ترى أن النسور استضافتكما في أعشاشهم؟ ما أراه أنكما وجدتما طعامًا ومأوىً حسنًا، وعدتما كما ذهبتما كأميرين يافعين وليس كتائهين لعام في البرية!

رد هورين:

– اهدأ بالًا يا أبي، فإننا لم نرجع إلا تحت قسم السرية والكتمان، وهذا القسم لم يزل يقيدنا.

وهكذا لم يسألهما جالدور أكثر من ذلك، ولكنه وآخرين خمنوا الحقيقة؛ إذ أن كلا من قسم السرية وقصة النسور تشيران إلى الملك تارجون بوضوح.

**********

• الهوامش:

[1]  Hador goldenhead.

[2]  (Edain) جمع (Adan) والتي تعني بلغة السندارين –اللغة التي اخترعها تولكين-  البشر.

GlÓredhel [3].

[4]  غابات واقعة بين أنهار تيجلين وسيريون، ويطلق أيضًا على قوم بريثيل رجال (هاليث).

[5]  Galdor the Tall.

[6] (بيرين ذو اليد الواحدة) ابن (باراهير) و( إميلدير): من منزل (بي- أور)، اكتسب شهرته من نجاحه في قطعه جوهرة سيلمارية من تاج مورجوث ليتزوج من الإلفية (لوثيُّن) أميرة (سيندار).

كانت الجوهرة ثمنًا لزواجهما كما حدد (ثينجول) والد (لوثيُّن)؛ لكون بيرين من الفانين ويحتاج الجوهرة لتكسبه الخلود مثل (لوثيُّن).

ثمن خطف الجوهرة من تاج (مورجوث) سيد الظلام، تمثل في فقد (بيرين) يده من الذئب العظيم (كارخاروث) الذي يحمي سيده (مورجوث)؛ وسُمي منذ ذلك الحين بـ(بيرين ذي اليد الواحدة). أدى قطع يده إلى اصابته بجرح لم يشف منه -رغم الجوهرة- ووفاته عن عمر اثنين وستين عامًا واختارت (لوثيُّن) بعد وفاته مشاركته مصيره وأن تكون فانية.

[7]  Eledhwen the elven-fair.

[8]  معركة (النيران المفاجئة) التي أنهى فيها (مورجوث سيد الظلام ) حصار (انجباند).

[9] ابنة الشفق.

[10] معركة الدموع اللانهائية وهي المعركة الخامسة و المدمرة من معارك إلفيي بيليرياند ضد جيوش مورجوث.

[11] غابة بريثيل: و هي غابة بين نهري (تيجلين) و(سيريون).

[12]: مخاضة فوق نهر سيريون شمال غابة بريثيل.

[13]: ملك المياه و البحار، وهو أحد الأرواح الأربعة عشرة التي سكنت الأرض التي أطلق عليها (أردا)، وكانت له السيطرة المطلقة على جميع أشكال المياه ومصادرها؛ لذا كان قصره (المونان) في البحر الخارجي، وندر سيره على اليابسة إلا في حالة الاحتياج الشديد، فيما عدا هذا كان يعرف جميع أخبار الـ(أردا) من المياه التي تسير تحت الأرض.

[14] أرض خالية في بيريلاند بين نهري سيريون وميندب.

[15] قمم الجبال جنوب مدينة (جوندولين) حيث توجد أعشاش ملك النسور (ثورندور).

[16] الوادي السري المخبأ بين الجبال الدائرية حيث بنيت مدينة جوندولين العظيمة.

[17] مدينة الملك (تورجون) المخفية عن أي مخلوق –صديقًا كان أو عدوًا– والتي بنيت في العصور الأولى للأرض الوسطى، وظلت محمية من أي تعدي لحدودها من الجبال الدائرية والنسور العظيمة التابعة ملك النسور ثورندور التي تعشش على قمم الجبال الدائرية.

عن لأبعد مدى

مبادرة أدبية متخصصة، تأسست عام 2014م.