(أبناء هورين) جـ2: للمؤلف (ج ر تولكين)

• ترجمة: محمد فاروق المليجي.

مرت الأيام وزاد الخوف في القلوب من مورجوث، لكن في العام الأربعمائة وتسع وستين سنة ظل بصيص من الأمل في قلوب الإلفيين والبشر بعد عودة إلفيي النولدور إلى الأرض الوسطى؛ إذ انتشرت الشائعات عن أفعال بيرين ولوثيِّن وإحراجهما لمورجوث في قلب مملكته في (إنجباند). قال البعض أن بيرين  ولوثيِّن ما يزالا حيين، أو أنهما قد عادا من الموت.

في هذه السنة أيضًا كانت جيوش مايذروس [1] قد اكتملت تقريبًا، ومع استرداد قوة الإلفيين ورجال مملكة الـ(إيداين) توقفت قدرة (مورجوث) على التقدم، وأُجبر الأوركيون على الرجوع من (بيليرياند)؛ وهكذا تكلم البعض عن عودة الانتصارات وتعويض هزيمة معركة (براجولاخ) عندما يقود مايذروس القوات المتحدة ويدفع (مورجوث) للإختباء تحت الأرض، وتدمير (أنجباند) وإغلاق أبوابها للأبد.

رغم هذا التفاؤل كان الحكماء قلقين خوفًا من إظهار (مايذروس) لقوته المتزايدة مبكرًا مما يعطي مورجوث الوقت لتجميع الجيوش لهزيمته، قالوا:

– سيتولد دائما شر جديد في (أنجباند) فيما وراء توقعات كلا من الإلفيين والبشر.

وكأنما هو تأكيد كلامهم، جاء في خريف هذا العام رياح خبيثة تحت السحب المتجمعة من الشمال، وأطلق عليها (أنفاس الشر) إذ أنها حملت الوباء الذي تسبب في مرض وفناء الكثير  من الأطفال والشباب داخل بيوت البشر في نهاية العام في الأرضي الشمالية على الحدود مع (أنفاوجليث).

في هذه السنة كان (تورين) في الخامسة من عمره، وفي بداية ربيع هذا العام كانت أخته (أوروين) في الثالثة من عمرها. كان شعر (أوروين) يبدو ذهبيًا مثل زهر الليلياس أثناء ركضها في الحقول، ضحكتها مثل أنغام مياه جدول (نين لالايث) النابعة من التلال مرورًا بأراضي أبيها؛ لذا أطلق عليها أهلها (لالايث)، وسعدت بها قلوبهم مدة مكوثها معهم.

كان نصيب تورين  في الحب أقل من أخته،  يشبه أمه في سواد الشعر والتجهم وقلة الكلام رغم تعلمه النطق قبل أخته، يبدو دومًا سابقا لعمره لا ينسى الظلم أو السخرية، وبداخله تستعر النيران المتأهبة للانفجار في أي وقت كأبيه. رغم هذا كان عطوفًا شديد التأثر بآلام وأحزان الآخرين لدرجة البكاء أحيانًا -مثل أبيه أيضًا- بينما اتسمت أمه موروين بالقسوة على الآخرين تمامًا مثلما تقسو على نفسها.

أحب تورين أمه لصراحة كلامها ووضوحه، أما أبوه فلم يكن يره إلا قليلًا إذ أنه كان دائم الغياب الطويل عن المنزل بصحبة في كتيبة فينجون [2] أثناء حماية الحدود الشرقية لـ(هيثلوم) [3]، وعند عودته كانت كلماته السريعة -المليئة بالكلمات الغريبة والهزلية ذات أنصاف المعاني– تحير (تورين) وتشعره بالسوء دومًا.

في هذا الوقت كان دفء قلبه كله من نصيب أخته (لالايث) ولكن قلما يلعب معها، فضّل أكثر أن يحرسها عن بعد دون أن تلحظه أثناء مرحها في الأعشاب أو تحت الأشجار وهي تغني بتلك الأغاني التي ألفها اطفال الـ(إيداين) منذ زمن بعيد حينما كان اللسان الإلفي غير بعيد عن ألسنتهم.

قال هورين عنها لموروين:

– مشرقة هي كأطفال الإلفيين، بل ربما أكثر إشراقًا، لكن للأسف أقصر عمرًا أيضًا.

حينما تأمل تورين هذه الكلمات  لم يفهم منها الكثير؛ فهو لم يرَ من قبل أطفال الإلفيين حيث لم يعش في أراضي أبيه أيًا من إلفيي الإلدر، لم يرهم إلا مرة واحدة حينما كان الملك فينجون يعبر مع قواده على جسر نين لالايث والبريق الأبيض والفضي يجللهم.

قبل مرور عام كان كلام أبيه هورين قد تحقق؛ إذ أظلت أنفاس الشر (دور لومين)، أصيب تورين بالحمى وسقط مغشيًا عليه يتقلب في الأحلام السوداء،  وحينما شفي من مرضه سأل عن اخته لالايث ولكن ممرضته أجابته:

– يا ابن هورين لا تطلق على اختك اسم لالايث [4] بعد الآن، وسوف تخبرك أمك عن أخبار أختك أوروين.

وعندما أتت موروين إليه قال لها:

– لم أعد مريضًا بعد الآن، أريد رؤية أختي أوروين، ولكن لماذا لم يعد يمكنني أن أطلق عليها لالايث؟

أجابته أمه موروين:

– لأن اوروين أختك قد ماتت ومعها مات الضحك والمرح في هذا المنزل، لكنك -يا بني- حيّ وكذلك عدونا الذي فعل بنا هذا.

لم تسع أمه لطمأنته أو إراحته أكثر مما فعلت لنفسها؛ إذ أنها قابلت هذه الآلام بالحزن الصامت المختبئ في برودة قلبها. أما أبوه هورين فلم يكتم أحزانه أو حداده، أخذ آلة (الهارب) خاصته محاولًا تأليف أغنية ينعى بها ابنته، لكنه لم يستطع ذلك فكسر (الهارب) وخرج من المنزل وهو يشير إلى الشمال صائحًا:

– يا مدمر الأرض الوسطى، هل سيأتي اليوم الذي أواجهك فيه وجهًا لوجه وأدمرك كما فعل بك مليكي فينجولفين من قبل [5]!

ولكن تورين رغم نحيبه بمراره كل ليلة وحيدًا لم يذكر اسم أخته أمام أمه أبدًا بعد ذلك، وباح بالآلامه في هذا الوقت لشخص واحد فقط اسمه (سادور).

• المصادر:

[1]  الابن الأكبر لـ(في أنور) سيد الأراضي المتواجدة في الشرق خلف (دورثونيون).

[2] الابن الأكبر لـ(فينجولفين) وكبير الملوك لإلفيي النولدور بعد وفاة (فينجولفين).

[3] (أرض الضباب) الكائنة في الشمال والتي تحدها من الشرق جبال الظلال ومن الغرب جبال الصدى.

[4] الضحك والمرح.

[5] الكلام هنا عن تحدي فينجولفين لمورجوث غير أنه خسر هذا التحدي.

عن لأبعد مدى

مبادرة أدبية متخصصة، تأسست عام 2014م.