الآلات: هل يمكن أن تفكر، تحلم، تشعر؟

أحد أحب أعمال (إيزاك أسيموف) إلى قلبي، قصة قصيرة تدعى (رجل المئتي عام)، ترجمها د. (أحمد خالد توفيق) ضمن العدد (57) من سلسلة (روايات عالمية للجيب)، بطل القصة آلي يرغب في الحصول على حريته، فصعّد القضية إلى المحاكم، مما أشعل الرأي العام تجاه هذه السابقة الفريدة، أخيرًا، تحددت الجلسة، وسأله القاضي مباشرة:

ـ «لكنك لست عبدًا يا (مارتن)، فأي شيء تمنحه إياك الحرية؟»

ـ «لقد قيل لي أن الإنسان فقط هو من يستطيع أن يكون حرًا، وأنا أقول أن من يرغب في الحرية فقط، هو من يستطيع أن يكون حرًا، وأنا أرغب سعادتكم»

كانت العبارة كفيلة بإقناع القاضي، وإصداره للقرار النهائي:

«المحكمة ترى أن الحرية حق، لمن يمتلك القدرة العقلية لفهم معناها».

تحولت القصة -لاحقًا- إلى فيلم لا يقل روعة من بطولة (روبن وليامز).

في السياق نفسه، ترجم موقع (ساسة بوست) تقريرًا منسوبًا إلى (جوجل)، تحدث عن إنتاج شركة لبرنامج يحاكي الذكاء البصري للبشر؛ إذ يمتلك دوائر عصبية بإمكانها فرز وتحليل الصور، بل وتقييمها أيضًا، بمعنى أننا نتحدث عن عقل إلكتروني يمتلك حد أدنى من الذائقة الفنية.

تمادى الباحثين في التجربة، فطلبوا من البرنامج خلق معالجات جديدة من الصور المعطاة، وإذا به يعطيهم منتج إبداعي لافت، أي أنه امتلك رؤية خاصة عالج بها المحتوى، ومن ثم أعاد تقديمه.

يمكنك رؤية الصور من الرابط أدناه، وسترى كم تشبه ما يراه البشـر في… “أحلامهم”:

http://www.sasapost.com/translation/google-inceprionism/

هذا على الجانب الإبداعي البصري، أما على الصعيد الأدبي، صدر عن المركز القومي للترجمة، كتاب (هل يمكن للحاسوب أن يكتب قصيدة غزلية؟). يشتمل على مجموعة كبيرة من التجارب لإنتاج برمجة تفرز شعرًا رومانسيًا.

قرأه ورشحه   د. (محمد الدواخلي)، معلقًا:

-«برغم بدائية القصائد وعدم اتساقها، لكنها تشابه ما ينتجه مبتدئ ضحل في الشعر، وهو ما يعني أن مع التقدم والتعقد، …».

لكم أن تتخيلوا التتمة.

تفوقت الآلات علينا كذاكرة وسرعة، لكن -أيضًا- أن تحلم/ ترسم/ تؤلف؟!

قد ينسف ذلك آخر قلاع تميزنا كبشر!

من ناحية أخرى، سيسحب من رصيد تفوق الآلة في جوانب أخرى، لاحظوا أن العواطف التي تدعم قدرتنا الاجتماعية، هي نفسها ما تجعلنا غير موضوعيين، مهما حاولنا.

إنها خاصية ذات ميزات وعيوب، اضطررنا كبشر للتصالح معها، فهل تفعل الآلات؟

 

مرت أعوام طويلة

وأنا أفكر في الوداع

محبوس بإحكام في الليل

أفكر في العشق

يسحبني إلى الأزرق, والليل

خلال ما يجدر تذكره

أجزاء حياتي المحطمة

أجزاء حبي المحطمة

أصبحت بالية

قصيدة ألفها برنامج حاسوبي

 

للأسف، كل ما سبق لم يصل لسقف التهديدات المحتملة؛ فهناك من يلفت النظر إلى نبوءة أخطر، نبوءة منطقية وإن ندر أن تزور بال غير المتخصصين:

«لن تتفوق الآلة على الإنسان فحسب، بل ستتضاعف قدراتها، حتى تتمكن ذات يوم من إنتاج آلات أذكى منها، فأذكى، فأذكى، إلى ما لا نهاية».

يسمونها مرحلة (تفرد الآلة singularity) أو عصر (ما بعد التفوق البشري The Post-Human Era)، بمعنى أن الحواسيب ستبدأ في كتابة برامجها بنفسها، أو على حد تعبير الباحث (يام باتريسون): «لا تندهش لو دعاك طالب آلي إلى مناقشة ماجستيره، حول هندسة الذكاء الصناعي». توجد العديد من المؤشرات التي تتضامن مع هذا التوقع، منها قانون (مور) المنسوب إلى (جوردان مور)، عالم الإلكترونيات الشهير، وأحد مؤسسي شركة (إنتـل)، ينص القانـون على قـدرات الحاسب تتضـاعف بمعـدل مرة

كل 18 شهـرًا، وستستمر كذلك حتى بلوغ سقفها النهائي قبيل 2020م.

على الناحية الأخرى، اعترض الباحث (راي كورزويل) على التاريخ المذكور، ورأي بأن قدراتهم قد تستمر في التضاعف لمدى أبعد بكثير.

وثّق (كورزويل) تحذيراته في كتاب بعنوان (The Singularity Is Near)، اقترح عبر صفحاته حلًا وحيدًا لبقاء البشر حينذاك، هو: “الانضمام إلى الركب المنتصر”، بمعنى إدماج البشر معهم، مما ينتج عنه نصف إنسان/نصف آلة، حيث ذاكرة أقوى، مناعة ضد الشيخوخة والأمراض، قدرة على التكيف مع أصعب البيئات. المزية الأخيرة -وحدها- كفيلة بتسهيل حياتنا على الكواكب الأخرى، مما يضمن استمرار جنسنا حتى بعد انطفاء الشمس، أو فناء الأرض لسبب ما.

هذا هو البديل، كي نضمن لأنفسنا موطئ قدم غدًا.

من الأسماء المؤيدة للتصور الفائت، (مارفن مينسكي) الأستاذ المرموق بمعهد (ماساشوستس) للتكنولوجيا (MIT)، الذي ينظر إلى القضية ككل بنوع من التصالح، على سبيل المثال.. ينفي عن (سيجموند فرويد) كونه باحثًا نفسيًا فحسب، بل يعتبره -أيضًا- أحد أوائل علماء الحاسوب، حيث أن المجالين -منذ البداية- ليسا منفصلين إلى هذا الحد. وبناء عليه، يتوقع أن يؤدي الاندماج إلى تعلم كلانا (نحن والآلة) من الآخر، مما سيساعدنا -كبشر- على فهم أدمغتنا أكثر.

اقترح البعض طرقًا متنوعة لاتحاد البشر مع الآلة، على غرار رواية (المدينة والنجوم)، وفيها تحمس المؤلف (آرثر كلارك) لفكرة نسخ وعي البشر، قبل تحميله على أجهزة رقمية، مما ينتج عنه استمرار وجودهم، حتى ما بعد موت الأجساد.

توجد تقنية واعدة أخرى تسمى «الجلد النشط»، تخدم الأحياء هذه المرة؛ إذ تتيـح طبـع الإلكترونيـات على بشرتنا مباشرة، وغرسها حتى تبلغ النهـايات العصبية بالأسفل. لنلاحظ أن استجابتنا ما هي إلا إشارات كهربية ترسلها الأعصاب إلى المخ، فحاولوا تصور ما قد نحصل عليه حينئذٍ، ستصبح الألعاب التفاعلية محسوسة، ويمكنك شم ما يطبخه الطاهي في التلفاز، بل والتواصل الحميم مع أهلك، عن بعد.

• المصدر: كتاب (نبوءات الخيال العلمي).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى)، من رواياته (وراء الحواس، قربان، ..).