الحقيبة الخاطئة جـ1: ماييف بيشي

• ترجمة: محمد عبد العزيز الخولي

• من المجموعة القصصية (The return journey)

• تأليف: ماييف بيشي

سجلت آني دخولها المطار باكرًا، لأنها وصلت إلى المطار قبل موعدها بساعات. لا شيء من هذا سيتسبب في إثارة أعصابها!

بمجرد أن استلمت بطاقة الصعود للطائرة، ورأت حقيبتها الجديدة تتدحرج بالبطاقة الصغيرة التي تشي بذهابها إلى مطار هيثرو بلندن.

تنفست الصعداء؛ فكل شيء يحدث كما يجب، لا شيء بإمكانه إيقافها. هكذا سيصبح لديها رفاهية تفقد المعروضات في السوق الحرة بتمعن لأول مرة، وربما تواتيها الجرأة وتجرب بضعة عطور من الموجودة هناك على رسغها، ربما تلقي نظرة على الكاميرات والساعات كذلك. لن تشتري شيئًا. ستتفرج فقط.

* * * * * * *

كان آلان متأخرًا؛ دائمًا ما يتأخر في تسجيل دخوله إلى المطار، لكن ابتسامته اللطيفة كانت تجعله يبدو دائمًا وكأنه يعتذر عن هذا التصرف الشنيع الذي بدر منه، لدرجة أن أحدًا لم يتذمر أبدًا. أخبروه أن يتجه مباشرة إلى بوابة المغادرة، وهو ما فعله في النهاية، لكن لا يمكن أن تتوقع منه المرور بالسوق الحرة دون الدخول لشراء زجاجة فودكا، صح؟

لم تبدُ عليه أية بادرة للقلق أو التوتر، صحيح أنه كان آخر من دخل للطائرة، لكن لابد أن يكون هناك دائمًا من يحمل لقب آخر واحد.

أليس كذلك؟

دل نفسه ببساطة على كرسيه في درجة رجال الأعمال، بسهولة من اعتاد تلك الأمور لكثرة أسفاره. وضع حقيبته وزجاجة الفودكا  بعناية في المكان المخصص للحقائب، قبل أن يجلس ويربط حزام الأمان بطريقة تجعل كونه مربوطًا واضحة للمضيفة الجوية، ثم فتح نسخة من جريدة التايم.

رحلة عمل أخرى قد بدأت!

* * * * * * *

ابتسمت آني في ارتياح عندما رأت حقيبتها على سير الحقائب الدائري في مطار لندن؛ لأنها لسببٍ ما توقعت أن تُنسى تمامًا، كما توقعت أن يستدعيها رجال المخابرات ليسألوها عن نوعية العمل الذي أتت إلى لندن من أجله! أو أن يمزق رجال الجمرك حقيبتها إربًا باحثين عن شحنة الهيروين التي تخفيها!

كانت ذات طبيعة خوافة، لكنها كانت تعرف هذا وتقول إنه ليس شيئًا سيئًا؛ لأنه يتسبب في الكثير من المفاجآت اللطيفة عندما لا تحدث مخاوفها.

أخذت حقيبتها وعبرت سالمة  خلال بوابة الجمرك، اتبعت اللافتات التي تقود إلى مترو الأنفاق، إلى القطار الذي شعرت  كأنه مصعد في مبنى الأمم المتحدة بكل تلك الجنسيات الموجودة حولها؛ رأت أمامها بشرًا من كل الجنسيات التي ظهرت في الكون، كل حقيبة من حقائبهم كانت تحمل بطاقة مختلفة عن الأخرى.

أغلقت عينيها سعيدة بينما يشق القطار طريقه نحو لندن.

* * * * * * *

وصل آلان بسهولة وأخذ حقيبته في آخر لحظة قبل أن تمر من أمامه مكملة طريقها؛ لأنه انشغل بمساعدة عائلة لم تكن قادرة على الإمساك بكل حقائبها التي وصلت على السير دفعة واحدة!

حقيبة وراء أخرى، التقط آلان متاع العائلة وهي تمر فوق السير المتحرك باحتراف، وعندما وجد أن إحدى الحقائب التي أخرجها ليست لهم قذف بها مرة أخرى ببساطة وهدوء فوق السير. أعطته المرأة ابتسامة ممتنة؛ فـآلان لديه طريقة مميزة تجعله يبدو أكثر كفاءة من معظم الأزواج في مثل تلك المواقف.

اشترى جريدة إيفينينج ستاندرد من كشك الجرائد وأوقف سيارة أجرة. كان قد سأل سائقها قبل أن يركب إذا كان بالإمكان أن يأخذ وصلًا في نهاية الرحلة بما أنها رحلة عمل، وبما أن الكثير من السائقين يتذمرون فهو يُفضل أن يسأل قبل الركوب. «من الأفضل دائمًا أن تقول ما تريده منذ البداية، وأن تقوله بلطف» كان هذا شعار آلان دائمًا وسر نجاحه.

غربت الشمس، فألقى نظرة سريعة على الطرق السريعة والمنازل البعيدة بحدائقها الأنيقة، من اللطيف أن يعود إلى لندن حيث لا يعرف أحدًا ولا يعرفه أحد.

* * * * * * *

أخذ القطار آني  لطريق جلوستر، وسارت بخطوات سريعة سعيدة نحو الفندق الذي نزلت فيه من قبل عدة مرات، كانت الحقيبة الجديدة خفيفة الوزن وغالية، لكن لا يهم فهي ستبقى للأبد. حقيبة جميلة للغاية لدرجة أنها اشترت ولصقت عليها اثنتين من الحروف الأبجدية التي تلصق على الحقائب، و حقيبتها.. (آ. ج).

في البداية تساءلت عما إذا كانت فعلتها هذه غباء! ألا يمكن أن يعرف الناس أنهما ليسا متزوجين لو كانت أول حروف أسمائهما والملصقة على الحقائب مختلفة؟ لكنه ضحك من أفكارها هذه وربت على أنفها مخبرًا إياها أنها ظريفة للغاية وخوافة للغاية.

وافقته آني على هذا وهي تتذكر أن معظم الناس لا يبالون بتلك الأمور من الأصل هذه الأيام، معظمهم على الأقل!

* * * * * * *

أخذ التاكسي آلان حتى منطقة نايتسبريدج، وحتى الفندق حيث تذكره العاملون هناك، أو  على الأقل تظاهروا بأنهم يفعلون، اعتاد قول اسمه من البداية دائمًا تحسبًا لمثل هذه المواقف.

– بالطبع يا سيد جرين.

رحب به الحارس بابتسامة، مضيفًا:

– مرحبًا بك في فندقنا مرة أخرى.

* * * * * * *

طوى آلان الوصل الذي أخذه من سائق التاكسي ووضعه في محفظته، قبل أن يتبع الحارس نحو مكتب الاستقبال، حيث قام بلفتة أنيقة عندما أطرى على جمال موظفة الاستقبال بملحوظة تركتها تعبث بخصلة من شعرها مبتسمة وهي تتساءل: لماذا لا يفكر الرجال اللطيفون -من نوعية السيد آلان هذا- في طلب الخروج معها أبدًا، بينما الرجال المقززون هم دائمًا من يسيل لعابهم عليها!

صعد آلان إلى حجرته وأخرج زجاجة التونيك من البار الصغير، لكن عندما تفقد المعلومات المكتوبة عليها وجد أنها كثيرة السعرات؛ فأعادها إلى البار وأخذ زجاجة الصودا بدلًا منها، كان آلان حريصًا بصدد كل شيء!

* * * * * * *

فتحت آنيحقيبتها في الحجرة الصغيرة التي استقرت فيها بأحد الفنادق، حيث قررت أن تقضي ليلة واحدة. ستُعلق ثوبها للتتأكد من اختفاء أي تجعدات به، ثم ستأخذ حمامًا دافئًا مستخدمة كل تلك المستحضرات الجميلة وزيوت الاستحمام الموجودة بالحمام؛ حتى لا تبدو غدًا وكأنها لم تُستعمل مطلقًا.

أدارت المفتاح، ثم رفعت لسان قفل الحقيبة، فلم تجد أية أثواب أو أية أحذية!

لم تجد ثوبي النوم الجديدين اللذين اشترتهما، ولا حقيبة مستحضرات التجميل ماركة جيرلان بالداخل. كل ما وجدته يتلخص في؛ ملفات، صناديق، قمصان وثياب داخلية رجالية، شرابات كذلك، ثم المزيد من الملفات!

تسارعت دقات قلبها فجأة وكل دقة منها تسببت في ألمٍ ممضٍ في عظام صدرها! حدث الأمر كما توقعت حدوثه يومًا ما، لقد أخذت حقيبة أخرى!
نظرت في رعب نحو الحروف الأولى الملصقة على الحقيبة وكانت نفس حروفها! شخص آخر يُدعى (آ. ج) أيضًا هو من أخذ حقيبتها!

بكت آني جرانت:

– أوه يا إلهي! لماذا يحدث لي هذا؟ لماذا؟ أنا لست سيئة إلى هذا الحد، لم أضر أي شخص.

سقطت دموعها فوق الحقيبة.

* * * * * * *

فتح آلان حقيبته أوتوماتيكيًا، سيضع أوراقه على المنضدة الكبيرة قبل أن يعلق بذلته. تجيد ماري إعداد الحقائب، علمها هو في مرحلة مبكرة عندما وجد أن كل فكرة المسكينة عن ذلك تتلخص في أن تلقي كل شيء بداخل الحقيبة كيفما اتفق، لكنه شرح لها -بكل صبر- عدم جدوى كيّها كل تلك القمصان بتلك الدقة لو لم يخرجوا من الحقيبة بنفس النظام والهندمة اللذين دخلوا بهما؟

نظر آلان نحو أول طبقة من الملابس ظهرت أمامه في عدم تصديق؛ فساتين نسائية، ثياب داخلية نسائية مرتبة في نظام، أحذية في أكياس بلاستيكية، بالإضافة إلى حقيبة مستحضرات فاخرة المنظر مع بعض البقع عليها من الخارج جراء انسكاب إحدى المستحضرات التي بداخلها.

يا للإله القدير، لقد أخذ حقيبة أخرى تحمل نفس حروف اسمه الأولى (آ. ج)!

فكر سابقًا في الحصول على تصميم أكثر أناقة للحرفين الملصقين على حقيبته؛ لأنه شعر أنهما عاديي الشكل، اللعنة، لماذا لم يفعل هذا؟

للحظة فكر فيما لو كانت هذه مزحة من ماري؛ فقد كانت مكتئبة مؤخرًا وترغب في مرافقته خلال رحلات عمله هذه، أيمكن أن تكون قد أعدت حقيبة لنفسها؟! لكن هذا غباء؛ هذه ليست أغراض ماري، هذه الأغراض لسيدة أخرى!

اللعنة، اللعنة، اللعنة!

كررها آلان لنفسه مرارًا بصوتٍ عالٍ، يا له من توقيت!

ياله من توقيت مثالي ليحدث له هذا ويفقد حقيبته في هذه الرحلة بالذات دونًا عن كل رحلات عمله السابقة!

* * * * * * *

استغرق الأمر من آني سبعين دقيقة باكية على التليفون، وبعض الجهود من جانب موظفي شركة الطيران وإدراة الفندق لمنعها من الذهاب إلى المطار، قبل أن تهدأ وتدرك أنها سيتوجب عليها الانتظار حتى الصباح التالي.

طمأنها الموظفون قائلين أن حقيبتها بالتأكيد ستظهر في الصباح التالي، لم تكتشف عنوانًا لمراسلة السيد جرين اللعين هذا، إلا عنوان مكتب مكتوب بخط واضح وملصق على سطح الحقيبة من الداخل، وبالتأكيد مكتبه هذا مغلق منذ ساعات.

– غدًا.

هكذا كررت أصوات من حولها كما لو كان في نصيحتهم هذه أية فائدة؛ في الغد سيكون من تنتظره قد وصل بالفعل متوقعًا منها الوصول بصحبة أشياؤها. يفترض أن يقضيا أجازة الأسبوع متجولين بسيارته، المرة الأولى التي ستنفرد به فيها على الإطلاق، كان قادمًا من نيويورك، وسيستأجر سيارة في مطارهيثرو.

أخبر رئيسه بالعمل أن المفاوضات ستأخذ وقتًا أطول وأخبر زوجته أن..، لماذا تهتم بحق السماء بما أخبر زوجته؟

لكنه بالتأكيد لن يحب قضاء أول أيام عطلتهما سويًا في مفاوضات لانهائية في المطار باحثًا عن أغراضها، ألا توجد طريقة تمكنها من معرفة أين يسكن الأبله الذي أخذ حقيبتها؟

لو اتصلت بمنزله فربما تخبرها زوجته أين سيقيم، هذا طبعًا بافتراض أن زوجته تعرف، لو كانت الزوجات يعرفن أصلًا أي شيء!

… (يتبع).