الحقيبة الخاطئة جـ2: ماييف بيشي

• ترجمة: محمد عبد العزيز الخولي

• من المجموعة القصصية (The return journey)

• تأليف: ماييف بيشي

احتاج آلان خمس دقائق فقط كي يصل إلى الشخص المقصود، والذي أخبره في خمول وهو يقاوم النعاس أن الوقت ليس مناسبًا لمثل تلك الأسئلة، وأن الصباح سيكون أنسب كثيرًا.

نعم، الكلام سهل، لكن من يحدثه هذا ليس وراءه اجتماع في السابعة والنصف صباحًا على مائدة الإفطار، قبل حتى أن تفتح المحلات أبوابها.

أين سيمكنه إذن أن يحصل على قميص نظيف؟ وما فائدة الاجتماع أصلًا لو لم تكن أوراقه معه؟

فليلعن الله تلك المرأة ويلعن جراب هاتفها المحمول، ومناديلها وملابسها التي لم يرتدها جسد من قبل.

تأمل ألبوم صورها وذلك الكشكول الذي احتوى على بضعة مقاطع مما بدا له أشبه بمسرحية، كانت مكتوبة بخط صغير وكأنه شفرة لعينة!

تتابعت المسرحية على مدى الكشكول صفحة وراء الأخرى قبل أن يجد أخيرًا صفحة مكتوبًا فيها عنوان  آنسة بيسي آ.  جرانت، أيًا كانت، وكان متأكدًا من أنها آنسة وليست متزوجة؛ لأنه وجد بالحقيبة خطابًا موجهًا لها وكان مكتوبًا فيه «إلى الأستاذة بيسي»، وهذا هو اللقب الذي تستخدمه الفتيات العزباوات في أغلب الأحيان.

لكن لسوء الحظ لم يكن به عنوان، وإلا لكان قد اتصل بدليل الهاتف الأيرلندي وتمكن من العثور على والدي الفتاة وسؤالهم عن المكان الذي تتواجد فيه ابنتهم في تلك اللحظة، هذا طبعًا لو كانت قد أخبرتهم بمكان ذهابها من الأصل؛ فذلك الطراز الغريب الأطوار من الفتيات والذي يحمل معه ألبومًا للصور وملابس لم تستخدم بعد ومسرحيات مكتوبة بذلك الخط الصغير المنمنم، غالبًا لا يخبر أهله بأي شيء على الإطلاق!

* * * * * * *

قبل رحلاتها الطويلة عبر القارة، اعتادت جرانت دائمًا قضاء ليلة بنفس الفندق الصغير القريب من جلوستر،  عرفت هناك بأنها الآنسة التي تعمل معلمة وتعامل الجميع بتهذيب شديد؛ فحزن مدير الفندق لأجلها جدًا، أعد لها كوبًا من الشاي  وبعض شطائر البندورة، أخذهم إليها في حجرتها.

بكت وهي تشكره كما لو كان قد سحبها لقارب إنقاذ، فنصحها قائلًا:

– فتشي في أغراضه، ربما تجدين ما يدلك على المكان الذي سيقيم فيه!

استمعت آني المتشككة إلى نصيحته،  وعبثت في أشياء الرجل أثناء تناولها شطائر البندورة وكوب الشاي.

أخرجت كل أوراقه وملفاته، وحملتهم معها على سريرها الصغير، ثم شرعت في القراءة والبحث.

من تلك الأوراق عرفت الخطط التي يعد لها السيد جرين منذ سنتين، وهي الخطط التي يفترض أن تكفل له امتلاك وكالة خاصة به بحلول الغد، لو سارت الأمور كما يتمنى.

* * * * * * *

السيد آ. جرين سيعود إلى دبلين رئيسًا للشركة التي كان يعمل بها؛ أعد حججًا مقنعةً للغاية، لدرجة أن عميلهم من ما وراء البحار سيكون غبيًا  لو لم يقبل عرض السيد آ. جريين.

هناك نسخ من جوابات معنونة بـ( من أجل عينيكِ فقط..)، كما كانت هناك ملفات مليئة بكلمات ذات خطوط سوداء عريضة أسفلها ( لا تأخذها إلى المكتب)، بالإضافة إلى الكثير من المراسلات المنتقاة بعناية لتُظهر شخصية رئيس آلان الحالي أمام الأشخاص الذين قاموا بدفع تكاليف رحلته لـلندن في أسوأ صورة ممكنة!

تنهدت آن مفترضة أن هذا هو الطبيعي في عالم الأعمال، في المدرسة أنت لا تقوم بإعداد الخطط ضد مدرسة الجغرافيا أو تحاول إيقاع مدير المدرسة مع مدرسة الرسم، لكن كان هناك من يقومون بتلك المهمة بنجاح.

في بعض الأحيان كانت هناك نسخ من الرسائل التي رآها رئيسه، إلى جانب نسخ من الرسائل التي لم يرها رئيسه على الإطلاق!

تعتمد هذه اللعبة شديدة الذكاء على جزء الحقيقة الذي تظهره، والجزء الذي تتعمد طمسه، ولو اطلعت على المقتطفات المختارة كاملة، والتي -حتى الآن- لا تصب إلا في مصلحة آلان كما هو واضح أمامها؛ فإن قضيته مقنعة للغاية!

يجب أن تعترف لهذا الشيطان بذلك!

قررت آن أن آلان هذا وغد يستحق ما حدث له من ضياع حقيبته وصفقته، وتمنت لو لم يستطع العثور على حقيبته أبدًا، لكن في تلك الحالة كيف ستستعيد حقيبتها؟

يا للسماء، فلنفترض أنه قرأ مذكراتها الخاصة!

* * * * * * *

قرر آلان جرين أخيرًا أنه لا يستطيع تحمل مذاق الصودا عديمة النكهة، وفتح زجاجة من ماء التونيك قليلة السعرات -أخذها من البار الصغير- مقررًا أنه بوسعه فعل هذا من وقتٍ للآخر، فلينظر إلى الأمر على أنه أحد المشاكل التي تواجهه في العمل، لقد ترك اسمه مع شركة الطيران في حالة اتصال تلك الفتاة بهم، وهو ما ستفعله تلك الفتاة الغبية بالتأكيد.

لماذا لم تتصل حتى الآن أصلًا؟! هل هي غبية لتلك الدرجة؟! لابد أن آني جرانتهذه فتاة غبية من الطراز الذي يجلس في البار مع مدرس لا يقل غباء، ولا يكفان عن التناقش حول المسرحيات وآليات كتابة مسرحية طويلة يدويًا. أي نوع من المسرحيات هذه على أية حال؟

شرع في مطالعتها، ليجد أنها تحكي عن حياتها الرومانسية، لم تكن مسرحية، وإنما مذكرات الفتاة، بل أكثر من مجرد مذكرات!

تحكي الفتاة عن خطة تعدها، تحكي عن عشرات السيناريوهات المحتملة لما يمكن أن يحدث في تلك الأجازة! كان هناك مشهد يقول لها الرجل فيه أنه لم يعد بوسعه رؤيتها أكثر من هذا، وأن زوجته قد وجهت له إنذارًا أخيرًا.

تلك المجنونة المدعوة آ. جرانت أعدت السطور الخاصة بدورها لذلك المشهد، وبأكثر من طريقة!

في بعض المحاولات كانت تظهر كفتاة لامبالية قوية الشخصية، وفي البعض الآخر كانت كلماتها تنطق بالحب والشغف، بينما في محاولات أخرى تقطر كلماتها تهديدًا من نوعية أنها ستقتل نفسها!

المجنونة كتبت كل شيء كأنه مسرحية، حتى أن المشهد المكتوب تضمن توجيهات المخرج للممثلين!

استنتج آلان أن آيمي هذه مجنونة غير مستقرة نفسيًا، وأنه أيًا كان الفتى المسكين الذي ستقابله، فيجب على أحدهم تحذيره مما ينتظره معها!

شعر آلان بالسرور لأنها فقدت قائمة السيناريوهات المجنونة التي أعدتها، كما أسعده فقدانها كل ملابسها الأنيقة ومستحضرات التجميل الخاصة بها، وستضطر لمقابلة ذلك الفتى كما هي!

أدرك أنها على الأرجح قامت بعملية تجميلية، وغسلت ملابسها الداخلية وبقية أشياءها بعناية كما يقوم هو بغسل ياقات وأساور قمصانه ونعال جواربه، ثم خطر بباله أنها على الأرجح قد قامت بقراءة ملفات العمل الخاصة به!

* * * * * * *

تذكرت آني فجأة أنها لم تخبر الرجل الموجود في المطار عن المكان الذي تقيم فيه!

كانت مستاءة للغاية، فلنفترض أن السيد كونيفينج جرين هذا قد أخبرهم بمكان وجوده، لن يستطيعوا الوصول إليها لأنها لم تخبرهم أي شيء!

اتصلت بهم مرة أخرى، سائلة عما إذا كان السيد جرين قد اتصل بهم، لتجد أنه قد فعل وترك رقمه!

أخذت الرقم، وعندما اتصلت رد عليها بعد الرنة

الثانية، وأخبرها أنه سيأتي فورًا بحقيبتها، أخبرها أنه لن يكون مجهودًا عليه، أخبرها أنه خطأ بسيط، وأنه لابد أنه هناك الملايين ممن تبدأ أسماؤهم بنفس الحرفين (آ. ج)، وأنهى مكالمته بالتأكيد على أنه سيأتي حالًا!

* * * * * * *

أمسك باب التاكسي وهو يتأملها، ليجدها فتاة رقيقة ناعمة، وهو الأمر الذي أثار دهشته!

تذكر أنه رأى هذا الوجه للحظات بمطار لندن، وأنها لو كانت تقف في طابور انتظار التاكسي أمامه لعرض عليها أن يتشاركا واحدًا، لكنه تذكر الأسرار التي وشت بها مذكراتها، فشعر بجسده يقشعر ارتياحًا أثناء هربه منها.

تفاجأت هي الأخرى بحسن مظهره، فقد توقعت مما عرفته أنه ولابد يبدو كثعلب؛ بوجه صغير مدبب، حاد القسمات، خبيث الملامح، لكنه على العكس بدا عادي المظهر، ويكاد يكون لطيفًا.
تذكرت أنها رأت ذلك الوجه على متن الطائرة، في درجة رجال الأعمال، وهو يتبادل الضحكات مع المضيفة الجوية. قالت:

– حقيبتك لدي هنا، للأسف أصبحت تفتقر للترتيب، لأنني كنت أبحث عن أي شيء يمكن أن يدلني على مكان وجودك.

ابتسم مجيبًا:

– حقيبتك هي الأخرى حدث لها نفس الشيء، لكن لم تناسبني أي من مستحضرات التجميل الخاصة بكِ، لهذا ستجدينها كاملة لا تنقص شيئًا.

ابتسم الاثنان لبعضهما البعض، فيما يكاد يكون مودة.  نظر لها للحظة، كانت الساعة لا تزال الحادية عشرة مساء، وفي لندن كان هذا يعني أن السهرة قد بدأت للتو.

بدت جذابة بطريقة لطيفة، تمنت لو لم يذهب فورًا، ربما لو قالت شيئًا عن الذهاب لاحتساء بعض النبيذ على سبيل الاحتفال بالعثور على الحقيبتين، ثم تذكرت كيف وصف رئيسه بأنه على مشارف الشيخوخة، وكيف أفرد فصلًا كاملًا في إثبات أنه سكير! بينما تذكر هو كيف أقدمت على التهديد بالإنتحار، والتهديد بإرسال رسائل لزوجة شخص ما وأطفاله وزملائه!

تصافحا بالأيدي، وفي نفس اللحظة تقريبًا أخبرا بعضهما أنهما لم يقرأا شيئًا من الأوراق الموجودة بالحقيبة، في تلك اللحظة أدرك الاثنان أن كلاهما قد فعل بكل تأكيد.

… (تمت).