العلم للجميع (2/ 4) الجينوم، السيرة الذاتية للنوع البشري

• كتب: وسام الدين محمد عبده.

في العام 2003، أعلنت نتائج مشروع الجينوم البشري، والجينوم المادة الجينية في الخلية الحية، يهدف المشروع إلى تعيين جميع الجينات التي تكون الجينوم البشري وتوثيقها تركيبيًا ووظيفيًا؛ قبل هذا الوقت، وتحديدًا في العام 1999، نشر مات رايللي كتابه المعنون (الجينوم: سيرة ذاتية للأنواع في ثلاثة وعشرين فصلًا Genome: The Autobiography of a Species In 23 Chapters)، في محاولة مبكرة لتقديم مفهوم الجينوم وأهميته للجمهور.

اليوم، على الرغم من التقدم الحادث في دراسات البيولوجيا الجزيئية والوراثة، فإن الكتاب الذي قدمه رايللي لا يزال واحد من أفضل كتب تبسيط العلوم التي تناولت موضوع الجينوم، والتي ينصح دائمًا بقراءتها للمهتمين بالموضوع، بل وحتى المختصين.

يقول رايللي في مقدمة كتابه أن فكرة الكتاب قد لمعت في ذهنه أثناء حوار جمع بينه وبين صديق له يعمل عالمًا بيولوجيًا، زعم أن يفضل كروموسوم معين من بين الكروموسومات الموجودة عند البشر؛ لأنه مسئول عن صفات معينة، ومن هنا قرر رايللي أن يكون كتابه مكون من ثلاثة وعشرين فصلًا، مكرسة لأزواج الكروموسومات الثلاثة والعشرين التي تميز البشر، فيكون كل فصل من هذه الفصول لزوج من هذه الكروموسومات، وكيف تسهم الخصائص المرتبطة بهذا الزوج في تشكيل حياتنا كأفراد وتفاعلاتنا داخل المجتمع، بل كيف أسهم أحيانًا في تشكيل تاريخ الجنس البشري.

وهكذا، وعبر فصول عنونها بطريقة مثيرة، مثل البيئة والخلود والحياة، يصحب المؤلف قراءه في رحلة متعددة المسارات؛ فهناك هذا المسار التاريخي، حيث عدد كبير من العلماء يعملون عن وعي أو دون وعي في سبيل فهم الجينوم البشري، بعضهم ترك ذكرى سوداء، مثل يوزيف منجل طبيب معسكرات الاعتقال النازي الملقب بملاك الموت Todesengel، والذي حاول من خلال تجاربه الوحشية المجنونة أن يتحكم في الحياة نفسها، متخيلًا أنه بوسعه أن يصنع السوبر مان.

مرورًا بشرودنجر الفيزيائي الفيلسوف، الذي غادر بلاده إلى المنافي فارًا من منجل وأمثاله، إلى يوحي من خلال محاضرة عامة لمجموعة من الشباب أن سر الحياة مكتوب في كتاب مشفر استودع في الكروموسومات، وهو ما أكدته بصوره منفردة أبحاث أوزوالد أفري، وكيف استطاع أرشيبالد جارود أن يكتشف الجين، وإعادة استدعاء إرث ماندل في تفسير المعالم الوراثية بين الأجيال، عبر أعمال والتر ستون وتوماس هنت مورجان.

كذلك الأبحاث التي أدت إلى نمذجة تركيب الـDNA، والذي كان اكتشف في القرن التاسع عشر على يد الطبيب السويسري فريديك ميشير -ترجم خطأ في النسخة العربية إلى ميسكر- يكتشف الـDNA، والذي خمن أنه مفتاح سر الوراثة، قبل أن يأتي واطسن وكريك بعد ما يقرب من تسعين سنة، ويقدما للعالم الشكل اللولبي المدهش الذي يمثل الـDNA.

وعلى خط تاريخي موازي، كان هناك من يبحث في مجالات معرفية أخرى، ولكن بحثه سوف يؤثر في مساعي فك شفرة لغز الحياة، كان آلان تورنج يطور الكومبيوتر الذي سوف يصبح فيما بعد الأداة الرئيسة في جمع البيانات المتعلقة بالكروموسومات وتصنيفها، وكلود شانون يحول الفوضى إلى نظام منمذجًا الانتروبي، في النهاية ساعدت كل هذه الجهود -بطريقة ما- في أن ندرك أن الكروموسومات كتاب الحياة ومهدت الطريقة لقراءته.

وهناك هذا المسار العلمي، الذي يحاول أن يرصد فيه المؤلف ما الذي ميز الإنسان، وهل ما وراء ذلك تميزه بعدد ثلاثة وعشرين زوج من الكروموسومات، وإن كان في مسعاه هذا يؤكد أن ليس بوسعه أن يربط على وجه الدقة بين عدد الكروموسومات وإنسانية الإنسان، فبعض الأنواع الحية الأخرى لها عدد من الكروموسومات أكبر أو أقل من الإنسان، تترتب بطرق مختلفة ومسالك مختلفة؛ ويستكشف كيف أسهمت الدراسات الوراثية في تغيير عالمنا.

مثلًا؛ أدى كشف تركيب الكروموسومات والجينات والـDNA إلى طفرة كبيرة في طريقة فهمنا للأمراض وعلاجنا لها، ضاربًا على ذلك مثلًا بمرض وراثي نادر كان يسمى بمرض هتنجتون على يد الطبيبة نانسي ويكسلر، بينما أدت أبحاث عالم البيولوجيا الأفلاطوني الحالم مولر، ومن تابعه من العلماء، إلى معرفة كيف يمكن للبيئة أن تؤثر على الكرموسومات، أو ما عرف بالتحوير الصناعي للجين؛ ويتوسع في مساره هذا ليستكشف ما يعتقد بعض العلماء من تأثير الوراثة، ليس على أجسامنا فحسب، بل على أمزجتنا وحالتنا النفسية.

حتى أن القارئ لن يكون بوسعه إلا أن يطرح على نفسه أسئلة من قبيل هل للوراثة تأثير في اختياري لألوان ملابسي وأصناف الطعام التي افضلها، والمدهش أن المؤلف يجيب قارئه بالإيجاب، بل ويزعم أيضًا أن بسبب تأثير الوراثة على سلوكياتنا الفردية، فإنها تؤثر كذلك على تفاعلاتنا الاجتماعية وهو ما الأمر الذي يجعلها أيضًا فاعلة في تطورنا التاريخي بشكل ما.

وهناك ثمة مسار ثالث خفي بين سطور الكتاب، مسار أخلاقي وفلسفي، من ناحية يحاول دائمًا على التأكيد على أن البحث في مجال العلوم الوراثية محكوم أخلاقيًا دائمًا، ومن الناحية الثانية أن تطور العلوم الوراثية لابد أن يؤدي إلى مستقبل أفضل لكل البشر، وليس بشر دون بشر.

وفي رأي الشخصي أن المؤلف يمرر هذه الأفكار محاولًا التحرر من عبء التاريخ الأسود لنشأة علم الوراثة، فنصف العاملين في حقل أبحاث الوراثة في ألمانيا بين الحربين كانوا أعضاءً في الحزب النازي، مهوسين بأن بمقدورهم تعديل الإنسان وصناعة السوبر مان، وقد ارتكبوا في سبيل ذلك جرائم مخزية بعضهم عوقب من أجلها وبعضهم هرب بفعلته.

ولم يكن الأمر أفضل في العالم (الحر) (الديموقراطي)، ففي مطلع القرن العشرين، قام الأطباء الأمريكيين بإصابة نحو مليون أمريكي من السكان الأصليين والمنحدرين من أصول أفريقية بالعقم، لأنهم من العناصر المتدنية التي سوف تؤثر سلبًا على نفسها وعلى المجتمع، وذلك في إطار قانوني أقرته الدولة.

كما أن الإمكانات التي تعد بها الأبحاث في مجال الوراثة، لا تزال تشكل مصدرًا للخوف، فماذا لو قرر أحد المجانين من عينة هتلر وستالين إبادة إثنية عثرة الحظ تحت حكمه لأنه لا يعجبه لون جلودهم أو لغتهم مثلًا، بل ماذا لو قررت شركة ما أن تقصر علاج لـCOVID-19 على شعب دون شعب؛ ولعل هذه المخاوف الأخلاقية هي التي تحرك لجان أخلاقيات البحث العلمي في كل مكان من العالم اليوم.

مؤلف الكتاب مات رايللي، بريطاني، درس علم الحيوان في جامعة أوكسفورد، ونال درجة الدكتوراه في هذا العلم في أواسط الثمانينات؛ وبعد منحه الدكتوراه، تحول إلى الكتابة الصحفية، حيث عرف بكتابته في تبسيط العلوم، والتي كان ينشرها في أعمدة خصصتها له كبريات الصحف والمجلات البريطانية مثل إيكونيميست ودايلي تيليجراف؛ كما اشتهر بمؤلفاته والتي منها الكتاب الذي عرضناه، والذي ترجمه إلى العربية المترجم المصري مصطفى إبراهيم فهمي، والذي تخصص في الترجمة العلمية، ونشر بعنوان (الجينوم: السيرة الذاتية للنوع البشري) عام 2001 ضمن سلسلة عالم المعرفة التي تصدر في الكويت.