العلم للجميع (1/ 4) بداية بلا نهاية

• كتب: وسام الدين محمد عبده.

ليس هناك ما هو مظلوم اليوم في عالمنا العربي قدر العلم؛ فهؤلاء الذين يفهمونه ويحترفونه قعدوا عن تبسيطه للعامة، إما لأنهم لا يمتلكون أدوات التواصل مع العامة أو انشغالًا بالحياة الصعبة أو تعاليًا وهو العذر الأقبح؛ وهؤلاء الذين تصدوا لتبسيطه للعلوم، فهم ما بين مجد مجتهد مأجور، وهبيد يهرف بما لا يعرف، وهذه الفئة الأخيرة الأكثر شعبية.

لذلك، فمن المدهش أن تجد إلى اليوم، ونحن على مشارف العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، أن هناك من لا يزال يعلق متعجبًا على مسألة كروية الأرض على طريقة دسوقي السماك، والذي قام بدوره الراحل الجميل جمال إسماعيل، في مسرحية السكرتير الفني «تبقى دكاني في باب الشعرية، أدور عليها في المغرب ألاقيها في روض الفرج».

هذا التقصير قد دفعني لأن أخصص هذا الشهر لاستعراض أربعة من أهم كتب العلوم الشعبية، والتي قدمت أكثر الموضوعات تقديمًا بطريقة سهلة، وألفها علماء أعلام في مجالهم، وقد أخترت أن أبدأ مع كتاب (بداية بلا نهاية) لمؤلفه جورج جاموف، وقد أخترته لأنه شكل في وقت منار هادي لي في حياتي العملية على نحو ما، وأسهم في تشكيل فهمي اليوم لتكون المعرفة البشرية.

كنت قد قرأته للمرة الأولى أثناء دراستي الجامعية، ولا أدرى كم أعدت قراءته إلى اليوم، حتى أنني أكاد أحفظ عن ظهر قلب بعض أجزاءه، وهو كتاب جمع بين تبسيط علم الفيزياء الحديثة للجماهير، ويقص الحكاية المدهشة لرواد هذا العلم، مفلسفًا الفيزياء وأثرها على المجتمعات الحديثة.

الكتاب مكون من أربعة أجزاء، وكل جزء يتضمن بضع فصول.

1- اللعب بالأعداد:

يتضمن فصلين، ويقدم فيه جاموف الرياضيات، باعتبارها أساس العلوم الحديثة عامة والفيزياء خاصة، منطلقًا من نظرية الأعداد البسيطة التي يدرسها كل طالب في المدرسة الإعدادية، وصولًا إلى الهندسة التحليلية ونظرية الحقل وحسابات الطبولوجي، مستخدمًا طريقة الأمثلة والحكايات.

مثلًا.. عندما يقدم لقارئه المتسلسلات الأسية، يستخدم قصة شيقة عن الوزير الذي اخترع لعبة الشطرنج لتسلية الملك، وعندما يعجب الملك باللعبة يقرر أن يسمح للوزير باختيار مكافئته، ويطلب الوزير من الملك أن يضع حبة قمح على المربع الأول من مربعات لوحة الشطرنج، ثم يضع على المربع الثاني حبتين، وعلى المربع الثالث أربعة حبات، وعلى المربع الرابع ثمانية حبات، وهكذا.

أعجب الملك بتواضع الوزير، ولكنه ما أن يبدأ يضع حبات القمح على لوحة الشطرنج، حتى يتضاعف عددها بطريقة رهيبة، وبحسبة بسيطة يكتشف الملك أن عليه أن يمنح وزيره في المربع الرابع والستين، محصول القمح لكوكب الأرض مدة ألف عام؛ ومستخدمًا مثل هذه الأمثلة البسيطة والمبهرة، يمكن للقارئ أن يفهم أعقد المفاهيم الرياضية.

2- الفضاء وزمان اينشتاين:

يضم ثلاثة فصول، وفيه يحاول أن يقرب اللانهائية الرياضية وكيف يشكل فهمنا للكون والزمان، ومن الأمثلة الرائعة التي استخدمها، المثال الذي استخدمه لشرح الأكوان متعددة الأبعاد، فكما أن الحصان ثلاثي الأبعاد في عالمنا، سوف يبدو في عالم ثنائي الأبعاد مجرد ظل مسطح يتغير شكله باستمرار بتغير حركة الحصان في العالم ثلاثي الأبعاد، فإن أي جسم في عالم رباعي الأبعاد سوف يظهر في عالمنا جسم ثلاثي الأبعاد يتغير باستمرار.

يستخدم مثال آخر لبيان فكرة السفر في الفضاء الكوني مستخدمًا ما يسمى شريط موبيوس، وهو شريط ورقي مسطح، فإذا أراد أحدهم الانتقال من بداية الشريط إلى نهايته، عليه أن يقطع الشريط بطوله، ولكن إذا ثنينا الشريط، سوف تتلاشى المسافة بين طرفي الشريط؛ كما أنه إذا حاول أحدهم الانتقال من نقطة على سطح الشريط إلى نقطة على سطحه الآخر، فإنه هذا في الوضع العادي مستحيل، ولكن إذا انثنى الشريط حول نفسه، وتم لصق طرفيه، يصبح من الممكن الانتقال من سطح إلى السطح الثاني.

3- الكون الأصغر:

وهو الجزء الأطول في هذا الكتاب بعدد فصوله الأربعة، وفيه ينتقل جاموف من الكون الواسع الذي كان يناقشه في الجزء الثاني، إلى الكون المجهري المكون من الذرات وما تتكون منه من الكترونات وبروتونات ونيترونات، كما أنه يتطرق للنيوترينو، والذي كان أحدث موضوعات الفيزياء في هذا الوقت.

يناقش كذلك فكرة اللايقين التي طرحها هايزنبرج، والطبيعة المزدوجة -الجسيمية والموجية- للمادة، وتأثير هذه الأفكار على فهمنا لبنية الذرة ومكوناتها والطرق التي يمكن أن نحصل بها على قياسات حول هذه المكونات، ثم ينتقل إلى كيف يظهر ابطال هذا العالم الصغير المجهري أنفسهم في العالم الكبير في صورة التفاعلات النووية التي استطاع الإنسان أن يسيطر عليها ويستخدمها سواء بصورة سلمية في المفاعلات النووية أو بصورة شريرة في الأسلحة النووية.

يعد الفصل الرابع في هذا الجزء، أو التاسع في ترتيب الكتاب، والذي يناقش فيها كيف انعكس فهمنا للمادة على فهمنا للحياة، وقد كان يشدني في هذا الفصل، بالذات قصص الفيزيائيين الذين تحولوا في منتصف مشوارهم الأكاديمي إلى علماء أحياء.

يجب أن نلاحظ أن هناك بعض الأفكار التي عرضها جاموف في هذا الجزء، ثبت اليوم أنها كانت خاطئة، كاعتقاده بأن النيوكلونات والنيوترينوات هي الجسيمات الأولية الوحيدة في الكون، كما أن لم يتطرق إلى الكواركات التي لم تكن اكتشفت وقت كتابة هذا الكتاب.

4- الكون الأكبر:

يتكون من فصلين فقط، إلا أنه في رأي الشخصي يكاد يكون الجزء الأهم في الكتاب، وفيه يناقش نشأة الكون وبنيته، وفيه يعرض لفكرة القوى الأربعة التي تربط هذا العالم:

– القوة النووية الصغرى، والنووية الكبرى، والكهرومغناطيسي، والجاذبية، وكيف يمكن لتوحيد هذه القوى.

أي إيجاد نظام رياضي واحد لوصف وتفسير هذه القوى، أن ينقل المعرفة -الإنسانية عامة والفيزياء خاصة- إلى آفاق جديدة، مستعرضًا قصص كثيرة عن الفيزيائيين الذين قدر لهم أن يخوضوا في هذه المسألة، وكيف أدت جهودهم إلى ما يسمى نظرية الانفجار الكبير، والتي تستخدم اليوم لتفسير نشأة الكون وتطوره.

على الرغم من الموضوعات المعقدة التي ناقشها المؤلف في هذا الكتاب، إلا أن جاموف يستخدم الأمثلة المبسطة والحكايات المرحة لعرض أعقد الأفكار، ويثرى نصه بالعديد من الرسوم التوضيحية، والتي على الرغم من عرضها بالأبيض والأسود وبصورة فقيرة في الترجمة العربية، إلا أن تيسر على القارئ تخيل العديد من الأفكار المعقدة، وفصول الكتاب غنية بالقصص الحقيقية عن كبار العلماء الذين أسهموا في تشكيل الفيزياء الحديثة مثل ماكس بلانك واينشتاين وشوردنجر وغيرهم.

مؤلف الكتاب جورج جاموف، فيزيائي روسي الأصل أمريكي الجنسية، وهو ممن أسهموا في صياغة نظرية الانفجار الكبير، كما أسهم في تفسير عدد من ظواهر الانحلال النووي مستخدمًا ميكانيكا الكم.

اشتهر جاموف بمؤلفه الذي استعرضناه اليوم، وقد صدر الكتاب للمرة الأولى عام 1947 عن دار نشر فايكينج الأمريكية؛ ثم صدرت طبعة ثانية عام 1961 عن دار نشر بانتام، وقد عمل جاموف على تنقيح الطبعة الثانية وتحديث ما جاء فيها من أفكار.

ولا يزال الكتاب من أكثر كتب العلوم الشعبية رواجًا بعد ما يزيد عن سبعين سنة على تأليفه، ولا يزال متاحًا في المكتبات، ولا يزال عدد من اشهر العلماء في العالم، وأكثرهم تأثيرًا في المجتمع العلمي والعام، مثل الفيزيائيين نيل ديجراس تايسون وشين كارول وعالم النفس ستيفن بينكر، يقرون لهذا الكتاب بالفضل عليهم، وينصحون مريديهم بقراءته.

صدرت الترجمة العربية للكتاب عام 1990، ضمن مشروع الألف كتاب الثانية، والذي كانت تقوم عليه الهيئة العامة المصرية للكتاب؛ ترجمها محمد زاهر المنشاوي ترجمة ممتازة، منضبطة لغويًا، وموافقة للنص.

عن لأبعد مدى

مبادرة أدبية متخصصة، تأسست عام 2014م.