العلم للجميع (4/ 4) المبادئ- الأسس الجميلة للعلم

• كتب: وسام الدين محمد عبده.

منذ فترة راج زعم أن الجيل الخامس من الهواتف المحمولة وراء جائحة كورونا. البعض كان يعتقد أن شركات تعبئة المياه تتآمر على البشر بغية تحويلهم لمصاصي دماء بالترويج للماء قليل الصوديوم.

إن هذا النوع من الأخبار الذي يكشف عمق الجهل بأساسيات العلم، منتشر حول العالم كله، وإن كان تأثيره يتباين بين المجتمعات المختلفة، وهو الأمر الذي يدفعنا أن نسأل أنفسنا:

– ما كلفة الجهل؟

إن تكلفة الجهل على المجتمعات تكلفة ضخمة ومؤلمة، وهي أكبر من التكلفة المادية التي قد تتمثل في سياسات الخاطئة تؤدي إلى حرمان المجتمع من قدراته التنافسية التي تضمن له مكانه بين الأمم المتقدمة، بل هناك أيضًا كلفة أخلاقية كبيرة تتمثل عن عجز هذا المجتمع الذي يتخلى عن المساهمة في التطور العلمي، عن أداء دوره في توفير حياة كريمة لمواطنين يتمتعون بالوعي الكافي للعمل على سلامة هذا المجتمع واستمراره.

هذا الأسبوع، الأسبوع الرابع من الشهر الذي خصصناه بكتب تبسيط العلوم، اخترت لكم كتابًا مؤلفته الصحافية المرموقة، نتالي آنجير، المتخصصة في الصحافة العلمية، وكتابها عنوانه (المبادئ، جولة نطوف فيها حول الأسس الجميلة للعلم).

غالبًا ما المعالجات الصحفية للعلم غالبًا ما تعتمد على تلك المقاربة التي تسميها المدرسة الصحفية الفرنسية بـDiscover du jour أي اكتشافات اليوم، والمتتبع مثلًا لصفحة العلم على المواقع الإخبارية الكبرى مثل BBC وDW، يمكن أن يلاحظ أن ما تقدمه هذه المواقع مجرد أخبار عن آخر ما تنتجه معامل العلماء وورش المهندسين، دون البحث فيما وراء هذه الاكتشافات والاختراعات من مجهودات غالبًا ما تعكس طبيعة العلم وبنيته وما يقدمه وعلاقته بالنطاقات المعرفية الأخرى مثل الدين والفلسفة والأخلاق، وما مردوده المادي والأخلاقي على الفرد والمجتمع.

من هنا تأتي أهمية الكتاب الذي نقدمه اليوم، فآنجير لا تطرح في هذا الكتاب تاريخ للعلم، أو استعراض للاستكشافات العلمية، ولكن عوضًا عن ذلك فإنها -وكما يبين العنوان الفرعي للكتاب- تقدم جولة في (الأسس الجميلة للعلم)، فهي تناقش موضوعات مثل علم الاحتمال وهل طبيعة العلم يقينية أم ظنية، حقيقة المادة وحقيقة الطاقة، أصل الحياة وتشكلها، قصة كوكبنا وقصة الكون، وهي التي في رأيها أسسًا جميلة وممتعة للعلم.

الفصل الأهم بين فصول الكتاب في رأيي الشخصي، هو الفصل الأول؛ يعالج مسألة المعرفة العلمية، وهو معنون (التفكير علميًا)، إذ يعالج مسألة الأمية العلمية، حيث تلاحظ المؤلفة أنه في المجتمع الأمريكي ينظر إلى المعرفة العلمية كنشاط يليق بالأطفال دون الكبار، وأن كثير من الأمريكيين بمجرد أن يغادروا سنوات المراهقة يتخلون عن عضويتهم في أندية العلوم والمتاحف العلمية لصالح الاشتراك في الأندية الرياضية، والأكثر محافظة بينهم يشترك في الأنشطة الثقافية مثل المسارح وأندية الكتاب.

في المقابل فإن المؤلفة تنحو باللوم على هؤلاء القائمين على المتاحف العلمية، والذين يصمموها ويديروها باعتبارها حقًا موجهة للأطفال؛ ونتيجة ذلك شيوع الأمية العلمية بين الكبار في الولايات المتحدة، والمقصود بالأمية العلمية عدم الإلمام بدور ووظيفة العلم في المجتمع، وعدم الإلمام بمبادئه، بل أن الأمر قد يمتد إلى العاملين في المجال العلمي، والذين قد يلمون بكل ما يتعلق بتخصصهم من الناحية التقنية ولكن دون الناحية الاجتماعية والأخلاقية؛ ففي نظر المؤلف إن الأمية العلمية هي السائدة في المجتمع الأمريكي في مقابل انحصار التفكير العلمي.

في الفصول التالية، تناقش المؤلفة مسائل علم الاحتمالات، والموضوعات الرياضية المتقدمة مثل نظريات الأعداد والتوبولوجي، والفيزياء مما هو دون الذرة إلى بنية الكون، والكيمياء وتشعباتها في حياتنا، وتستكشف جهود البيولوجي الهادفة لاكتشاف أسرار الحياة، وتاريخ الأرض كما يحاول علم الجيولوجي أن يستكشفه، منتهية بنظرة علم الفلك الحديث للكون الواسع.

واحدة من أكبر المشكلات التي تواجه من يؤلف كتاب لتبسيط العلوم هي كيف يمكنه تمرير الأفكار العلمية المعقدة للجمهور، بعض الكتاب يلجأ لاستخدام طرق أدبية كأن يمثل البحث عن أصول البشر باللغز البوليسي الذي يلعب فيه العالم دور شرلوك هولمز ويحاول أن يخبر القارئ بما حدث بناء على ما يتوفر له من أدلة؛ بعضهم يلجأ إلى استعراض سير العلماء أو تاريخ البحث العلمي بطريقة مشوقة.

لجأت نتالي آنجير إلى وسيلتين استعارتهما من عالم الصحافة، فاستعارت أسلوب الكتابة الصحفية ذي العبارات التقريرية القصيرة والسريعة والمركزة، والتي تكاد تفتقر إلى البلاغة الأدبية، واستعارت من عالم الصحافة طريقة المقابلات الصحفية، فجميع فصول الكتاب تحتوي على مقاطع من لقاءات مع علماء عاملين في مختلف نواح البحث العلمي، حيث تستخدم تصوراتهم لإلقاء الضوء على الموضوعات المهمة في عالم العلوم اليوم.

مؤلفة الكتاب نتالي أنجير، صحافية أمريكية متخصصة في الصحافة العلمية، وتشغل منصب محررة الصفحة العلمية في صحيفة نيويورك تايمز، ولها العديد من الكتب إلى جانب الكتاب الذي قدمناه، مثل كتابها المعنون Natural Obsessions، وكتابها المسمى Woman- An Intimate Geography، وقد نالت جائزة بولتزير للصحافة عام 1991.

صدر الكتاب في اللغة الإنجليزية للمرة الأولى عام 2007 عن دار مارينر بوكس الأمريكية، وبعنوان The Canon: A Whirligig Tour of the beautiful Basics of Science، ترجم الكتاب للعربية الدكتور مصطفى إبراهيم فهمي، المترجم المصري المتخصص في ترجمة كتب تبسيط العلوم، ونشر الكتاب عام 2011 كمشروع مشترك بين هيئة أبو ظبي للثقافة ودار نشر (كلمات) القاهرية، حيث صدر بعنوان (المبادئ، جولة نطوف فيها حول الأسس الجميلة للعلم).

عن لأبعد مدى

مبادرة أدبية متخصصة، تأسست عام 2014م.