ترجمة افتتاحية (ابن الضباب: الإمبراطورية الأخيرة)

• تأليف: براندون ساندرسون.

• ترجمة: محمد فاروق المليجي.

عبس وجه (لورد ترستنج) أثناء نظره إلى سماء منتصف النهار في حين هرع خدمه وفتحوا مظلة فوقه وضيفه الغامض. لم يكن سقوط الرماد أمرًا مستهجنًا في الإمبراطورية الأخيرة، ولكن (ترستنج) تمنى تجنب تلويث معطفه الجديد والصديري أحمر اللون –اللذان وصلا للتو من العاصمة لوثاديل نفسها على ظهر مركب في القناة، لحسن الحظ لم تكن الرياح قوية؛ لذا فالمظلة  كافية.

وقف (تريستنج) مع ضيفه في شرفة على قمة تلة مطلة على الحقول حيث مئات العاملين بأرديتهم بنية اللون وسط الرماد المتساقط يزرعون المحاصيل. كان هناك تباطؤ في عملهم – لكن لا يتوقع بطبيعة الحال غير هذا من الـ(سكا Skaa).

الفلاحون مجرد مجموعة من الكسالى غير المنتجين.

لم يكن الفلاحون يشتكون –هم يعرفون ثمن شكواهم جيدًا– بدلًا من هذا هم ببساطة يعملون برؤوس منحنية ولا مبالاة ظاهرة، لكن صوت كرباج رئيس العمال كان كفيلًا بدفعهم للعمل بهمة لدقائق معدودة حتى يبتعد عنهم فيعودون لسابق عهدهم.

التفت ترتستنج لضيفه قائلًا:

–  يظن المرء أن ألف سنة من العمل في تلك الحقول كافية لتجعل منهم أكثر كفاءة!

رفع الـ(متعهد Obligator) حاجبًا وهو يلتفت لـ(ترتستنج)، بدت الحركة وكأنما تؤكد غرابة مظهره بالوشم المعقد الذي يزين بشرته حول عينيه. كان الوشم هائلًا يملأ المساحة من حاجبيه حتى جانبي أنفه، هو متعهد من درجة الـ(بريلان) بالغة الأهمية، لذا فهو لم يكن مجرد متعهد عادي. يملك (ترستنج ) في قصره المتعهدين الخاصين به، لكنهم يديرون الأمور البسيطة، ويمتلكون القليل من الوشوم حول أعينهم، أما هذا المتعهد فقد جاء من (لوثاديل) على نفس المركب التي أتت بمعطف (ترستنج ) الجديد.

عاد المتعهد لتأمل الـ(سكا) وهو يقول:

– يجب عليك أن تشاهد الـ(سكا) بالعاصمة يا ترستنج، إن هؤلاء مجتهدون بالمقارنة بأولئك في لوثاديل. إن لك سيطرة أكثر عليهم . كم تخسر شهريًا من هؤلاء في تقديرك؟

أجابه ترستنج:

– نصف دستة تقريبًا، البعض من آلام الضرب، والبعض من الإرهاق.

– هل هناك هاربون؟

رد ترتستنج:

– لا، بالمرة.. حينما ورثت هذه الأرض من أبي، كان هناك بعض الهاربين، لكني أعدمت عائلاتهم. الباقي فقدوا شجاعتهم بسرعة. لم يمكنني أبدًا فهم أولئك الذين يعانون من الـ(سكا) لديهم. أنا أرى تلك المخلوقات سهلة السيطرة، فقط لو أظهرت القبضة القوية المناسبة.

أومأ المتعهد ذو المعطف الرمادي برأسه وهو ينهض بصمت. بدا عليه الرضا مما سمع، وهو أمر جيد. لم يكن الـ(سكا) ملكًا لـ(ترستنج) في الحقيقة، ولكن –مثل كل الـ(سكا)– كانوا ملكا لـ(سيد النبلاء)، ويستأجر (ترستنج) فقط الـ(سكا) منه، تقريبًا بنفس الطريقة التي يدفع بها مقابل خدمات المتعهدين الخاصين به.

خفض المتعهد رأسه ناظرا في ساعة جيبه، برغم سقوط الرماد كانت الشمس مشرقة هذا اليوم، مرسلة أشعة حمراء قرمزية اللون من خلف السماء المادية. أخرج (ترستنج) منديلًا ومسح به جبينه وهو سعيد بالظل الذي وفرته المظلة وسط حرارة منتصف اليوم.

قال المتعهد:

– حسنًا يا (ترستنج)، سأنقل عرضك للورد (فينتشر) كما طلبت، سأقدم تقريرًا مناسبًا للورد بخصوص أعمالك هنا.

كتم (ترستنج) تنهيدة ارتياح. إن وجود المتعهد ضروري ليشهد توقيع العهود أو اتفاقات العمل بين النبلاء. صحيح أن المتعهدين ذوي الرتب المنخفضة مثل من يعملون لدى (ترستنج) يمكن أن يقوموا بهذا الدور، لكن إبهار المتعهد الخاص بلورد (فنتشر) يعني ما هو أكثر.

استدار المتعهد ناحيته:

– سأسافر عن طريق القناة بعد ظهر اليوم.

سأله ترستنج:

– سريعًا هكذا؟ ألا تبقى للعشاء؟

أجابه المتعهد:

– لا، وإن كان هناك مسألة أخرى أود مناقشتك فيها، فأنا لم آت من طرف اللورد (فنتشر) فقط، ولكن لأنظر في بعض المسائل الأخرى التي تخص (مكتب التحقيقات) لشائعات تتحدث عن ولعك بمغازلة نساء الـ(إسكا).

شعر (ترستنج) بقشعريرة تنتابه، وابتسم المتعهد؛  فقد تعمد أن يكون كلامه مهددًا، وبالفعل فقد وجده (ترستنج) مخيفًا.

أكمل المتعهد:

– لا تقلق نفسك يا (ترستنج) لو كان هناك قلق حقيقي من أفعالك لكان أحد (محققين الفولاذ Steel Inquisitor)  هو من زارك بدلًا مني.

أومأ (ترستنج) برأسه ببطء.

محقق!

لم يسبق له من قبل رؤية واحد من تلك المخلوقات غير البشرية، لكنه كان قد سمع.. روايات!

أكمل المتعهد وهو ينظر للحقول:

– لقد أعجبتني أعمالك بخصوص نساء الـ(سكا)، ما رأيته يدل على أنك تمسح الآثار خلفك جيدًا. إن رجلًا مثلك –كفء ومنتج- يمكن أن يعلو شأنه في (لوثاديل). بضعة سنوات أخرى من العمل وبعض الصفقات الملهمة، ومن يدري؟

التفت المتعهد للناحية الأخرى ووجد (ترستنج) نفسه يبتسم في رضا. لم يكن هذا وعدًا ولا نبوءة؛ إذ أن المتعهدين في الأغلب يشغلون مناصب إدارية أو يشهدون على العقود وليسوا كهنة أبدًا، ولكن يكفي سماع تلك الإشادة من أحد خدم (سيد النبلاء). يعلم (ترستنج) أن الكثير من النبلاء يعتبرون المتعهدين مصدر للقلق، والبعض يعتبرهم حملًا مزعجًا، لكن في هذه اللحظة يمكن لـ (ترستنج) ان يقبل ضيفه المميز هذا.

التفت (ترستنج) ناحية الـ (سكا) الذين يعملون بصمت تحت أشعة الشمس الحارقة والرماد المتساقط ببطء. كان (ترستنج) من نبلاء الريف الذين يعيشون على عوائد مزروعاتهم وهم يحلمون بالانتقال –ربما- إلى العاصمة (لوثاديل) نفسها. لقد سمع كثيرًا عن الحفلات الراقصة والتجمعات، وكذلك الدسائس والمؤامرات، هذا أصابه بالحماس بلا نهاية. يفكر «ربما عليّ الاحتفال الليلة». هناك تلك الفتاة الصغيرة بالكوخ الرابع عشر التي كان يراقبها منذ مدة.

ابتسم ثانية.

بضعة سنوات أخرى من العمل كما قال المتعهد. لكن، هل يمكن أن يعمل (ترستنج) على تقليل المدة لو بذل جهدًا أكبر؟ مؤخرًا زاد عدد الـ(سكا) لديه. ربما لو ضغط عليهم أكثر قليلًا لحصد محاصيلًا أكثر هذا الصيف ويوفي بعقده مع لورد (فينتشر) مبكرًا.

هز (ترستنج) رأسه ناظرًا إلى (سكا) الكسالى، بعضهم كان يعمل بالفئوس، والبعض يعملون على أيديهم وركبهم، ينزحون الرماد عن المحاصيل الحديثة.

هم لا يشتكون.

هم لا يملكون أي أمل. وبصعوبة يجرؤون على التفكير.

هذا ما يجب أن يكون عليه الامر، فهم في النهاية مجرد (إسكا).

لقد كانوا..

تجمد (ترستنج) حين رفع أحد الـ (سكا) رأسه ونظر إليه، التقت عينا الرجل بعيني (ترستنج) بينما شرر –لا بل نار- ينقدح منهما تتحديانه.

لم ير (ترستنج) أبدًا شيئًا كهذا، ليس على وجه أحد الـ (سكا). تراجع (ترستنج) للخلف بتلقائية وقشعريرة باردة تجري في جسده، والرجل الغريب مستمر في النظر اليه، ثم ابتسم.

أشاح (ترستنج) بوجه بعيدًا وهو يصيح:

– (كوردون)!

هرول رئيس العمال الضخم صاعدًا التل:

– ماذا هناك يا سيدي؟

التفت (ترستنج) مشيرًا إلى.. ثم قطب حاجبيه. أين كان يقف هذا الـ(سكا)؟ من المستحيل التفرقة بينهم ورؤوسهم منحنية هكذا بملابسهم الممتلئة ببقع من الرماد والعرق.

تسمّر (ترستنج) مكانه. لوهلة ظن أنه يعلم المكان. تلك البقعة الخالية حيث لم يكن أحد يقف فيها، ولكن لا، ليس هذا ممكنًا، إن الرجل لن يختفي وسط هذا الجمع بسهولة فأين يمكنه الذهاب؟ لابد أنه هناك في مكان ما يعمل برأس منخفضة.

في كل الاحوال إن تلك اللحظة التي تحداه فيها بنظراته لا تغتفر.

عاد (كوردون) يسأل:

– سيدي؟

كان المتعهد ينظر إليهما بفضول. ليس من الحكمة أبدًا جعل هذا الرجل يعرف أن أحد الـ (سكا) قد تصرف  معه بمثل تلك الوقاحة. أعطى (ترستنج) أوامره وهو يشير بيده:

– اجعل اولئك الـ (سكا) بالجزء الجنوبي يعملون بجد أكثر، أرى أنهم قد صاروا كسالى حتى بمعايير الـ(سكا)، يمكنك ضرب بعضهم.

هز (كوردون) كتفيه بعدم فهم وأومأ برأسه، لم يكن هذا سببًا مقنعا للضرب، ولكن -في جميع الاحوال- لا يحتاج لاسباب كثيرة ليضرب أولئك العمال.

إنهم في النهاية مجرد (إسكا).

… (يتبع).

عن لأبعد مدى

مبادرة أدبية متخصصة، تأسست عام 2014م.