ترجمة ج2 من افتتاحية (ابن الضباب: الامبراطورية الأخيرة)

• تأليف: براندون ساندرسون •

• ترجمة: محمد فاروق المليجي •

كان (كالسير) قد سمع الحكايات، حكايات هامسة عن أزمنة قديمة جدًا حيث الشمس لم تكن حمراء اللون، أزمنة لم يحجب السماء فيها الدخان ولا الرماد، حينما لم تعانِ النباتات لتنمو، وحين كان الـ(سكا) أحرارًا. أزمنة قبل (سيد النبلاء). هذه الأيام الآن تقريبًا قد نُسيت، بل حتى الحكايات والأساطير قد صارت غير واضحة.

راقب (كالسير) الشمس؛ القرص الأحمر الضخم يتسلل للأفق الغربي. وقف وحده هادئًا لوقت طويل في الحقول الخالية، وقت العمل كان قد انتهى، وعاد الـ(سكا) إلى أكواخهم القذرة، قريبًا سيحل الضباب.

تنهد (كالسير)، ثم استدار ليختار طريقه وسط الأكواخ والطرقات وأكوام الرماد الضخمة متجنبًا السير على المزروعات، وإن لم يعلم إن كانت تلك المحاصيل تستحق التعب من أجلها أم لا؛ فهي لا تبدو جديرة بالاهتمام بأوراقها البنية الشاحبة وشكلها المحبط مثل من يزرعونها.

بدت الأكواخ مخيفة مع الأضواء الشاحبة المحيطة بها، الآن يمكنه أن يرى الضباب وقد بدأ في التكون مالئًا الهواء ومعطيًا الأكواخ -الشبيهة بالتلال- منظرًا سرياليًا غير واقعي.

وقفت الأكواخ في مكانها بغير حراسة؛ لم يكن هناك حاجة لمن يراقبها، إذ لا يوجد الـ(سكا) الذي يغامر بالخروج مع هبوط الليل. خوفهم من الضباب كان عميقًا جدًا. «يجب أن أعالجهم من هذا يومًا ما». هكذا فكر (كالسير) و هو يقترب من أحد الأكواخ الضخمة.. ولكن، «كل شئ في وقته». فتح الباب وتسلل داخلًا، وفي الحال توقفت الحوارات الدائرة بداخل الكوخ.

أغلق (كالسير) الباب خلفه، ثم التفت مبتسمًا ليواجه الغرفة المحتشدة بما يقارب الثلاثين من الـ(سكا)، في منتصف الكوخ حفرة صغيرة تحترق بداخلها نيران هزيلة ووعاء ضخم ممتلئ بحساء الخضروات يغلي منبئًا ببداية وقت العشاء. لم يكن الحساء شهيًا بالطبع، مع هذا كانت رائحته مثيرة.

– مساء الخير جميعًا.

قالها (كالسير) مبتسمًا وهو يضع حقيبة ظهر -كان يحملها- على الأرض بجوار قدمه، واستند على الباب وهو يكمل:

– كيف كان يومكم؟

كسرت كلماته الصمت، وعادت النساء لتحضير العشاء، ومع ذلك.. فإن مجموعة من الرجال المجتمعين حول طاولة خشنة ظلوا يرمقونه بنظرات غير راضية.

– كان يوما مليئًا بالعمل أيها (الجوال).

قالها (تيبر) أحد قادة الـ(سكا)، قبل أن يضيف:

– وهو شئ استطعت أنت تجنبه.

رد (كالسير):

– أعمال الحقل ليست مناسبة تماما لي، قاسية هي على جلدي الرقيق.

ابتسم رافعًا ذراعيه الحافلتين بطبقات من الجروح والندوب التي تغطي جلده بالكامل، كأن وحشًا ظل يخمشها بمخالبه صعودًا ونزولًا حتى مرفقيه. كان (تيبر) صغيرًا على أن يكون أحد القادة، غالبًا لم يتجاوز الأربعينيات، ربما كان أكبر من (كالسير) بخمس سنوات، ومع ذلك فإن الرجل الهزيل هذا قد امتلأ –بوضوح- بحب الزعامة.

علّق (تيبر) بصرامة:

– ليس هذا وقت الطيش، حين نستضيف جوالًا مثلك فإننا نتوقع منه أن يراقب سلوكه ويتجنب إثارة الشبهات، حينما فررت أنت من الحقول صباحًا كدت تتسبب في جلد الرجال من حولك.

قال (كالسير):

– صحيح، لكن هؤلاء الرجال كان يمكن أن يجلدوا لوقوفهم في المكان الخاطئ، أو لوقوفهم أكثر من اللازم، أو حتى لمجرد سعالهم وقت مرور أحد رؤساء العمال. لقد شاهدت أحدهم يومًا يضرب حين اعتقده سيده يرمش بعينيه بشكل غير لائق!

جلس (تيبر) بهيئة متخشبة معترضة ؛ كانت عيناه قد ضاقتا وذراعاه على الطاولة أمامه.

زفر (كالسير) بينما يقلب عينيه:

– حسنًا، حسنًا، إذا أردت مني الانصراف فسأفعل.

طوح حقيبته على ظهره قبل أن يجذب الباب ليفتحه، على الفور بدأ بعض الضباب في التسرب من الباب ملتفًا حول جسده ومتسللًا على الأرض كحيوان متردد.

شهق العديدين من الرعب، وأخذت الصدمة أغلبهم فظلوا صامتين من الرعب. توقف (كالسير) لوهلة في الظلام محدقًا في الضباب الذي أضاءته بخفوت قدور الطبيخ من الأكواخ المختلفة.

– أغلق الباب.

لم يكن صوت (تيبر) آمرًا، بل طالبًا.

أجاب (كالسير) طلبه، ودفع الباب ليغلقه مسببًا اضطرابًا في الضباب الأبيض، وإن لم يغلق الباب تمامًا.

– ليس الضباب ما تتوقعونه، إنكم تخافون أكثر من اللازم.

همست امرأة:

– الرجال الذين يغامرون في الضباب يخسرون أرواحهم.

طرح كلامها استفهامًا: هل سار (كالسير) في الضباب؟ ماذا حدث إذن لروحه؟

فكر (كالسير). «لو أنكم فقط تعلمون»، ثم عقّب على كلامها:

– حسنًا، هذا يعني أن عليّ البقاء.

أشار لصبي ليحضر له مقعدًا بينما يكمل:

– سيكون أمرًا طيبًا كذلك ألا أرحل قبل مشاركتكم أخباري.

رفع أكثر من شخص رأسه مع جملته الأخيرة، كان هذا هو السبب الحقيقي لتحملهم وجوده؛ السبب الحقيقي الذي يجعل فلاحين مذعورين مثلهم يأوون رجلًا مثله، (سكا) يتحدى سيد النبلاء بالتنقل من مزرعة لمزرعة، معارض هو، وربما مصدر خطر للمجتمع كله، لكنه أيضًا يحضر أخبارا من العالم الخارجي!

أكمل (كالسير) بصوت واضح:

– لقد جئت من الشمال، من أراض حيث قبضة سيد النبلاء أقل إحكامًا.

مال القوم -بغير وعي- ناحيته يستمعون إليه وهم يكملون الأعمال التي في أيديهم.

في اليوم التالي ستكون كلمات (كالسير) على مسمع من مئات الأشخاص الذين يسكنون تلك الاكواخ. ربما كان الـ(سكا) خانعين غير ذوي نفع، لكنهم كانوا مدمني ثرثرة وإشاعات.

قال (كالسير):

– هناك من النبلاء المحليين -في الغرب- يعيشون بعيدًا عن القبضة الحديدية لسيد النبلاء ومتعهديه، بعض هؤلاء النبلاء البعيدين وجدوا أن سعادة الـ(سكا) تؤدي إلى عمالة أفضل من تلك التي يساء معاملتها، أحد هؤلاء -لورد (رينو)- أمر رؤساء عماله بوقف الضرب غير المبرر، والإشاعات تقول أنه يفكر في دفع أجور للـ(سكا) العاملين في مرزعته مثلما يدفع للمهنيين في المدن.

صاح (تيبر):

– هراء.

قال (كالسير):

– أعتذر إذن، فلم أكن أعلم أن رجلنا الطيب (تيبر) قد ذهب للورد (رينو) مؤخرًا. أخبرني، عندما تعشيت معه، هل أخبرك شيئًا لم يخبرني به؟

أحمر وجه (تيبر)؛ فالـ(سكا) لا يسافرون، وهم حتمًا لا يتعشون مع النبلاء، لكنه أجاب كالسير:

– تحسبني أحمق أيها الجوال! لكنني أعلم جيدًا ما تفعله؛ أنت من يطلقون عليه (الناجي).. هذه الندوب على ذراعيك تفضحك. شخص مثير للمشكلات ينتقل من مزرعة لمزرعة ناشرًا أحاسيس عدم الرضا.. أنت تأكل طعامنا، وتحكي لنا قصصك وأكاذيبك العظيمة تلك، ثم تختفي تاركا خلفك أناسًا -مثلي- يتعاملون مع الآمال الخاطئة التي تزرعها في أطفالنا.

رفع (كالسير ) حاجبًا:

– الآن، الآن، أيها الرجل الطيب (تيبر)، إن كل ما قلته ليس له أساس من الصحة، أنا لا انتوي أكل طعامكم فقد أحضرت طعامي معي!

وفي نفس اللحظة ألقى (كالسير) حقيبته -غير محكمة الغلق- فسقطت على جانبها ملقية مجموعة من الطعام على الأرض؛ خبز طازج، فاكهة، بل حتى بعض أصابع السجق السمينة تدحرجت خارجة منها، وعند قدمي (تيبر) استقرت ثمرة فاكهة صيفية!

نظر الرجل الأربعيني للثمرة مندهشًا:

– هذا طعام نبلاء!

(كالسير):

– بالكاد.. أتعلم، بالنسبة لرجل في مثل نفوذه وحظوته فإن لورد (ترستنج) لديه ذوق سيء جدًا. إن حجرة مئونته محرجة بالنسبة لمركزه وسط النبلاء!

شحب وجه (تيبر) أكثر:

– إذن فقد ذهبت هناك عصر اليوم! ذهبت للمخزن. لقد سرقت من السيد!

– كل تأكيد.

قالها (كالسير)، ثم أردف:

– وقد أزيدك أنه رغم بشاعة ذوق سيدك في الطعام، إلا أن له نظرة تستحق الإعجاب في اختياره للجنود. إن التسلل لمخزنه في وضح النهار كان تحديًا كبيرًا في الواقع.

كان (تيبر) لم يزل يحدق في حقيبة الطعام:

– لو اكتشف رئيس العمال هذه هنا.

قاطعه (كالسير):

– إذن أقترح عليك أن تخفيها، فأنا أراهن -حقيقة- أن مذاق الطعام بها أفضل من حساء الخضروات هذا.

حملقت دستتان من العيون الجائعة إلى الطعام، ولو كان (تيبر) ينتوي استكمال النقاش لكان عليه أن يكمله سريعًا فصمته قد أًخذ كرد بالإيجاب، وفي غضون دقائق كانت محتويات الحقيبة قد تم الإستيلاء عليها وحساء الخضروات ظل في القدر يغلي بلا انتباه من أحد، الليلة يولم الـ(السكا) على وجبة تفوقه شهية!

… (يتبع).

عن لأبعد مدى

مبادرة أدبية متخصصة، تأسست عام 2014م.