ترجمة ج3 من افتتاحية (ابن الضباب: الامبراطورية الأخيرة)

تراجع (كالسير) للوراء مستندًا على الحائط الخشبي للكوخ وهو يشاهد الأفراد يلتهمون الطعام، كان كلامه بالفعل صحيحًا، فالطعام القادم من المخازن بالكاد يليق بالنبلاء، لكن على الجانب الآخر فهؤلاء قوم لم يتذوقوا في حياتهم إلا العصيدة وحساء الخضروات هذا. بالنسبة لهم الخبز والفاكهة يعدوا ملذات نادرة تؤكل فقط كفضلات طعام تلقى إليهم من منزل الخدم.

– لقد قطعت روايتك أيها الشاب.

قالها أحد الـ(سكا) المسنين ماشيًا بصعوبة تجاه (كالسير) ليجلس على مقعد بجانبه.

أجابه (كالسير):

– آه، أظن سيكون لدينا وقتًا كافيًا فيما بعد. بمجرد الانتهاء من التهام دليل سرقتي. ألا تريد تذوقه؟

رد الرجل:

– لا حاجة لدي به، آخر مرة جربت طعام النبلاء أصابني هذا بآلام في معدتي لثلاثة أيام. الطعام الجديد مثل الأفكار الجديدة أيها الشاب؛ كلما ازددت عجزا كلما صعب عليك هضمه.

تأمل (كالسير) الرجل. لم يكن ذا مظهر مهيب، بل أن جلده المتغضن ورأسه الأصلع جعلاه أقرب للهزال منه لمظهر الرجل الحكيم. مع ذلك، فلابد أنه أقوى مما يظهر، قليل جدا من الـ(سكا) المزارعين عاشوا حتى هذا السن. النبلاء لا يسمحون ببقاء القدامى في البيوت وترك العمل، كذا فإن الضرب المستمر يجعل الحياة مستحيلة بالنسبة للقدامى.

سأله (كالسير):

– ماذا كان اسمك؟

– (مينيس).

نظر (كالسير) ثانية لـ(تيبر) وهو يكمل:

– إذن أخبرني من فضلك أيها الرجل الطيب (مينيس)، لماذا جعلته القائد؟

هز (مينيس) كتفيه:

– حينما تصل إلى مثل عمري تصير واعيًا أكثر تجاه أين تهدر طاقتك. بعض المعارك لا تستحق خوضها.

حملت نظرات (مينيس) الكثير؛ لقد عني بالتأكيد أكثر من مجرد صراعه الخاص مع (تيبر).

سأله (كالسير) وهو يومئ برأسه للكوخ وساكنيه نصف الجوعى:

– إذن أنت راضٍ عن هذا؟ راضي عن حياة ليس بها إلا الضرب والعمل الحقير؟

– هيا حياة على الأقل.. أنا أعلم ما الذي يجلبه السخط  بسبب الكلام عن الأجور والثورات.. إن عين (سيد النبلاء) وغضب (وزارة الفولاذ) يمكن أن يكونا أشد رعبًا من بعض الجلد بالسياط. الرجال مثلك يبشرون بالتغيير، لكنني أتسائل: هل تلك معركة نستطيع حقا خوضها؟

هز (كالسير) كتفيه استهجانًا:

– أنت تخوضها بالفعل أيها الرجل الطيب، فقط أنت تخسر بشدة.. لكن، ما الذي يمكنني معرفته؟ أنا مجرد جوال لئيم آتي هنا لأكل طعامكم وإبهار صغاركم.

هز (مينيس) رأسه:

– أنت تمزح، لكن ربما كان (تيبر) على حق. أنا خائف أن تجلب لنا زيارتك التعاسة.

ابتسم (كالسير):

– لهذا لم أعترض على كلامه، على الأقل فيما يتعلق بإثارة المشكلات.

ثم توقف عن الكلام وابتسامته تزداد اتساعا قبل أن يكمل:

– في الواقع، وصفي بصانع المشكلات هو الأمر الوحيد الذي أصاب فيه (تيبر) منذ مجيئي هنا!

قطّب (مينيس ) حاجبيه وهو يسأله:

– كيف تفعل هذا؟

– أفعل ماذا؟

تبتسم كثيرًا!

– آه، إنني مجرد رجل سعيد!

حانت من (مينيس) نظرة لذراعي (كالسير) وقال:

– أتعلم، أنا لم أر ندوبًا في حياتي مثل تلك إلا عند شخص واحد غيرك، وهو الآن ميت، وجسده قد أعيد للورد (ترستنج) كدليل على إتمام عقابه .

رفع وجهه ليحدق في عيني (كالسير) مكملًا:

– أمسكوا به وهو يتكلم عن الثورة، وأرسله (ترستنج) لمناجم (هاثسين) حيث عمل حتى مماته ؛ الشاب المسكين لم يكمل حتى شهر!

نظر (كالسير) إلى يديه وساعديه، لا يزالا أحيانًا يحرقانه لكنه يعتقد أن الألم من عقله فقط. أعاد النظر إلى (مينيس) وابتسم قائلًا:

– أنت تسأل لماذا أبتسم أيها الرجل الطيب؟ حسنًا، إن سيد النبلاء يعتقد أنه احتكر الضحك والسعادة لنفسه، أنا لا أوافقه في هذا. هذه هي المعركة التي لا تحتاج مجهودا كبيرا في خوضها.

حملق (مينيس) في (كالسير)، ولوهلة ظن (كالسير) أن الرجل العجوز سيبادله الإبتسام، لكن (مينيس) في النهاية هز راسه:

– لا أدري، أنا فقط لا…

قطع الصراخ كلامه!

صراخ ضعيف قادم من الخارج، ربما من الشمال، رغم أن الضباب يشتت الصوت.

سكت كل من في الكوخ وهم ينصتون للصياح حاد النبرة، ورغم بعد المسافة وبالرغم من الضباب إلا أن (كالسير) استطاع تمييز الألم المختبئ في قلب الصراخ.

أشعل (كالسير) القصدير، كان هذا سهلًا بالنسبة له الآن بعد سنين من التدريب. كان القصدير الذي ابتلعه مع (معادن الألومانسي) الأخرى مستقرين في معدته منتظرين الفرصة للعمل!

باستخدام عقله غاص (كالسير) داخله ليفعّل القصدير مطلقًا قوى هو بالكاد يفهمها. اشتعل القصدير، وعاد للحياة. كان الإحساس كمن شرب مشروبًا ساخنًا فجأة فاحرق معدته!

انتشرت قوى الـ(ألومانسي) في جسده وحسّنت حواسه وأرهفتها.. الآن صارت الغرفة من حوله تتموج، والنيران الضئيلة على وشك إصابته بالعمى..يمكنه أن يحس بجزوع الخشب في المقعد الذي يجلس عليه، ويمكنه كذلك تذوق بقايا رغيف الخبز الذي أكله مبكرًا، والأهم من كل هذا يمكنه سماع الصراخ بأذنين خارقتين.. اثنان كانا يصرخان؛ أحدهما امرأة عجوز، والصوت الآخر لامراة شابة -ربما طفلة- الصرخات تزداد بعدا الآن.

– يا لـ(جيس) المسكينة.

قالتها امرأة بجواره وصوتها يتفجر في أذني (كالسير) الخارقتين، ثم أكملت:

– تلك الفتاة التي أنجبتها كانت لعنة. الأفضل للـ(سكا) ألا يكون لديهم بنات جميلات!

أومأ (تيبر) مؤيدا لكلامها:

– كان لورد (ترستنج) سيرسل في طلبها إن عاجلا أو آجلا، كلنا نعرف هذا، بل (جيس ) نفسها عرفت هذا!

همس رجل آخر:

– يظل الأمر عارًا.

استمرت الصرخات في المجيء من بعد. بإشعاله القصدير يستطيع (كالسير) معرفة الاتجاه الآتية منه بدقة، الصوت يأتي من عند قصر السيد. الأصوات الآتية حرّضت شيئا بداخله للإنطلاق، وشعر أن الدماء تندفع في وجهه.

التفت (كالسير) إليهم سائلًا:

– هل يعيد لورد (ترستنج ) الفتيات بعد الإنتهاء منهن؟

هزّ (مينيس) العجوز رأسه:

– لورد (ترستنج) من النبلاء الملتزمين بالقانون؛ كل الفتيات تقتل بعد أسابيع حتى لا يلفت أنظار المحققين.

تلك كانت أوامر (سيد النبلاء) الذي لا يستطيع تحمل وجود أطفال هجناء، أطفال يحتمل أن يمتلكوا قوى لا يجب على الـ(سكا) أصلا معرفة وجودها.

الصرخات آخذة في الضعف، لكن غضب (كالسير) بالكاد كان يبدأ.

ذكرته تلك الصرخات بأخرى؛ صرخات امرأة من الماضي.

نهض فجأة مسقطا المقعد خلفه.

قال (مينيس) بقلق:

– احترس أيها الشاب، تذكر ما قلته لك عن تضييع طاقتك، لن يمكنك أبدا أن تشعل ثورتك لو تسببت في قتلك اليوم.

ألقى (كالسير) نظرة سريعة ناحية الرجل، ثم.. من وسط الصرخات والآلام أجبر نفسه على الابتسام وقال:

– أنا لست هنا لأشعل ثورة وسطكم أيها الرجل الطيب (مينيس)، لقد أردت فقط إثارة بعض المشكلات، ما الذي يمكنك أن تفعله إذن؟

اتسعت ابتسامة (كالسير) أكثر وهو يجيبه:

– أيام جديدة قادمة أيها الرجل الطيب، فقط استمروا في الحياة قليلًا وسيمكنكم ساعتها مشاهدة أشياء عظيمة تحدث للإمبراطورية الأخيرة. أشكركم جميعا لحسن الاستضافة.

وفتح الباب وانطلق وسط الضباب.

*******

ظل (مينيس) مستيقظا بفراشه في ساعات الصباح الأولى. يبدو أنه كلما ازداد تقدمًا في السن كلما قلت معه قدرته على النوم، بالأخص حين يشغله أمر ما، أمر مثل عدم رجوع الجوال ليلًا إلى الكوخ.

كان (مينيس) يأمل أن يثوب (كالسير) إلى رشده ويقرر الرحيل، لكن هذا يبدو احتمالًا بعيد المنال؛ فقد رأى جذوة النار مشتعلة في عينيه. من العار أن رجلًا بعد أن استطاع النجاة من المناجم يأتي ليموت هنا في مزرعة عادية وهو يحاول إنقاذ فتاة تخلى عنها الجميع.

كيف سيكون رد فعل لورد (ترستنج)؟ يقال أنه يصبح عنيفًا جدًا مع من يقاطع متعه الليلية.

لو نجح (كالسير) في تعكير صفوه فغالبًا سيقرر (ترستنج) ببساطة معاقبة باقي زملاءة من الـ(سكا).

رويدًا رويدًا بدأ باقي الـ(سكا) في الاستيقاظ. ظل (مينيس) راقدا على الأرض الصلبة ؛ عظامه تؤلمه، ظهره يشكو وعضلاته تئن من الإرهاق. يحاول أن يقرر هل القيام يستحق المحاولة؟ كل يوم يفكر في الاستسلام. كل يوم تزداد الامور صعوبة. يومًا ما سيظل جالسًا في الكوخ منتظرا مجيء رئيس العمال لقتل الذين منعهم المرض أو السن عن العمل، لكن.. ليس اليوم.

يمكنه رؤية الخوف في أعين الـ(سكا)، هم يعلمون أن نشاطات (كالسير) الليلية ستجلب لهم المتاعب. هم بحاجة لـ(مينيس)؛ هم ينظرون إليه. يحتاج إذن أن يقوم، وهكذا فعل.

بمجرد شروعه في الحركة بدأت آلام جسده في التراجع نوعًا ما، واستطاع الخروج من الكوخ مستندًا على شاب صغير، لكن ما أن خرج إلى الهواء حتى وصل إلى أنفه رائحة ما.

التفت للشاب:

– ما هذا؟ هل تشم رائحة حريق!

توقف (شام) –الشاب الذي يستند إليه (مينيس) – كانت آخر آثار الليل تنجلي الآن، والشمس الحمراء تشرق خلف السحاب الأسود.

أجابه (شام):

– أنا دومًا أشم رائحة دخان مؤخرًا؛ إن (جبال الرماد) نشطة هذا العام

قال (مينيس) وقلقه يتزايد:

– لا، هذا مختلف.

ثم التفت ناحية الشمال حيث العديد من الـ(سكا) يتجمعون، ترك (شام) ليتوجه وحده ناحية التجمع، قدماه تركلان التراب والرماد وهو يجد في السير، وفي وسط الجمع وجد (جيس) وابنتها -التي اعتقد الكل أن لورد (ترستنج) قد نال منها- واقفة بجوارها.. كانت عينا الفتاة محمرة من عدم النوم، لكن عدا ذلك بدت سليمة لم يصبها الأذى، وكانت (جيس) تشرح للقوم ما حدث:

– لقد عادت بعد أن أخذوها بوقت قليل. كانت تطرق على الباب وهي تبكي وحدها في الضباب. ظن (فلين) أنها (شبح ضباب) متجسد في صورتها، لكن كان يجب عليّ إدخالها! لا يهمني ما يقوله، أنا لن أتخلى عن ابنتي. انظروا لقد أحضرتها في ضوء النهار وها هي لم تختفِ..هذا يثبت انها ليست أحد أشباح الضباب!

توقف (مينيس) عند آخر المجموعة، «ألا يرى سواي ما أراه»! لم يأت أي رئيس عمال ليفرق الجمع، ولا أتى أي جندي ليتمم على الأعداد. شيء ما خطأ تمامًا.

استمر في سيره للشمال ناحية القصر، وكان الوقت الذي أخذه للوصول كافيًا كي يلاحظ آخرون ذلك الخط الملتوي من الدخان – رغم صعوبة رؤيته في ضوء النهار. لم يكن (مينيس) أول الواصلين إلى حافة التل، لكن الكل افسح له الطريق حين وصل.

القصر اختفى!

فقط بقايا سوداء محترقة ظلت على الأرض كندوب مشتعلة!

همس (مينيس):

– بحق (سيد النبلاء)! ما الذي حدث هنا؟

– لقد قتلهم جميعًا.

التفت (مينيس). كان صوت ابنة (جيس) التي وقفت تنظر لأسفل ناحية القصر المحترق، وعلى وجهها الصغير نظرة رضا.

ثم أكملت:

– لقد كانوا موتى حين أخرجني، كلهم، الجنود ورؤساء العمال والنبلاء، كلهم موتى، حتى لورد (ترستنج ) ومتعهدوه. كان السيد قد تركني ليستكشف سر الضوضاء الآتية من الخارج، ولما شاهدته في الخارج وأنا أهرب كان مضرجًا في دماءه وآثار الطعنات ظاهرة في صدره، أما الرجل الذي أنقذني فقد ألقى جذوة نار على المبنى وتركه يحترق ونحن نخرج.

سألها (مينيس):

– هذا الرجل، هل كانت يداه ممتلئتان بالندوب حتى مرفقيه؟

أومأت الفتاة بصمت، وتمتم أحد الـ(سكا) بخوف:

– أي نوع من الشياطين هو؟

أجابه آخر:

– لابد أنه شبح من أشباح الضباب.

ناسيا أن (كالسير) كان معهم في وضح النهار!

صمت (مينيس) مفكرًا. «لكنه خرج في وسط الضباب! كيف استطاع أن يفعل عملا كهذا؟ لورد (ترستنج) لديه دستتان من الجنود؟ ترى هل كان معه رفاق من الثوار مختبئون؟ ربما». ترددت في أذنه كلمات (كالسير) من الليلة الماضية:

– أيام جديدة قادمة.

سأل تيبر مذعورًا:

– ولكن ماذا عنا؟ ماذا سيحدث حين يعلم (سيد النبلاء) بهذا؟ سيظن أننا وراء ما حدث! سيرسلنا إلى المناجم، أو ربما يرسل لنا أتباعه من الـ(كولوس) ليذبحوننا! لماذا فعل هذا الرجل ما فعله؟ ألا يعرف الأذى الذي سيقع علينا؟

أجابه (مينيس):

– بل يعرف جيدًا. لقد حذرنا يا (تيبر)؛ هو جاء ليثير المشكلات.

– لكن لماذا؟

– لأنه يعلم أننا لن نثور أبدًا وحدنا، لذا لم يترك لنا خيارًا.

وبهت (تيبر) في حين فكر (مينيس).. «يا لـ(سيد النبلاء)! لا يمكنني فعل هذا أبدًا، أنا بالكاد أستطيع القيام من النوم صباحًا، فكيف أقدر على تأمين هؤلاء القوم!

لكن أي خيارات أخرى لديه؟

التفت إلى (تيبر) آمرًا:

– اجمع الناس يا (تيبر). يجب علينا الهروب قبل أن يصل إلى علم (سيد النبلاء) الدمار الذي حدث هنا

– أين سنذهب؟

– إلى الكهوف في الشرق، يقول الجوالة أن الـ(سكا) الثائرون يختبئون هناك، ربما يقبلوننا بينهم.

بهت (تيبر) أكثر:

– ولكن.. سيكون علينا السفر لأيام ومكث الليالي في الضباب.

اجابه (مينيس):

– إما أن نفعل هذا، أو نمكث هنا ونموت!

تجمد (تيبر) للحظات ظن فيها (مينيس) أن الصدمة قد غلبته، لكنه في النهاية -وبرغم كل شئ- انصرف ليجمع الآخرين كما قد أمر.

تنهد (مينيس) وهو ينظر إلى خط الدخان لاعنا في سره ذلك الرجل (كالسير).

بالفعل، أيام جديدة قادمة!

*******

عن لأبعد مدى

مبادرة أدبية متخصصة، تأسست عام 2014م.