ألفت عاطف جـ2: شخصيات (الظلام يرى) كانوا ألغامًا دفينة تفجرهم الكتابة تباعًا

• حاورها: ياسين أحمد سعيد.

تطرق الجزء السابق من الحوار إلى مسيرة الكاتبة والروائية (ألف عاطف) بشكل عام، أما في هذا الجزء، فنركز على أبرز أعمالها الروائية.

– (ولا تقربي هذه الشجرة):

“ولا تقربي هذه الشجرة” رواية واضحة في تصنيفها. هي رواية ديستوبيا، تم بناء عالمها بشكل هندسي. الحبكة واضحة والشخصيات محدودة العدد ومحددة بدقة، والديستوبيا عموما لها جمهورها سواء من القراء او من مشاهدي الأفلام السينمائية التي أبدعت في خلق تنويعات لا حصر لها في هذا الإطار، وإن كنت قد حاولت فيها الابتعاد عن سطحية التناول، وركاكة الأسلوب التي تميزت بها بعض الأعمال من نفس النوعية، وخصوصا المكتوبة بالعربية، والذي جعل بعض القراء يصنفوا أدب الديستوبيا بأنه أدب ناشئين، وهو ما أرفضه بشدة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، 1984 لجورج أورويل، والخادمة لمارجريت آتوود، لا يمكن تصنيفهما في فئة الكتابة لليافعين.

حقيقةً أنا من المعجبين المخلصين بأدب الديستوبيا، ولسينما الديستوبيا، إلى جانب أن كتابتي منذ بدايتها لم تكن تخلو من قتامة، مما جعل هذه العوالم تنساب بسلاسة على الورق، لكن الأهم من هذا هو إمكانية تضمين عدد لا نهائي من الرموز والمعاني والاسقاطات في قصة ديستوبيا، ربما بشكل يجعل المعارضين لقضية ما مؤيدين لنفس القضية عندما يتم ترميزها في حكاية. وهو ما يشكل بابًا ملكيًا للتواصل مع الآخر.

– استلهام الفكرة:

أذكر اللحظة التي خطرت لي فيها الفكرة الخام الأولى للرواية. كانت أول مرة أقتني فيها هاتفًا أندرويد، وبالتالي أول مرة أشترك في تطبيق واتساب وعدد من تطبيقات التواصل الاجتماعي الأخرى.

حينها أصابتني الدهشة من هذا النظام العجيب في التواصل الإنساني الحديث، والذي لم أكن قد خبرته بعد. وجدت أن هناك صورًا سابقة التجهيز لكل المناسبات. تهاني العيد، تحيات الصباح والمساء وأيام الجمعة، كلمات حب للعشاق، وكلمات حب للأصدقاء، وكلمات حب للأم، إلى آخره من الأمثلة التي لا يمكن حصرها من القوالب الجاهزة للتعبير عن المشاعر والأفكار، ناهيك عن الصور المماثلة التي تعبر عن اتجاه فكري أو سياسي معين، والتي يقوم المستخدمون بمشاركتها بسرعة وآليه عجيبة، حتى وإن لم تكن معبرة عن فكرهم بشكل كامل، مما يصنع انحرافات دقيقة متتالية لمسارات التفكير والقناعات الشخصية للأفراد، وصولًا لقولبة كاملة لأنماط تفكيرهم.

من هنا ولدت في عقلي فكرة البطاقات. عالم من الصم والبكم، يتواصل فقط من خلال بطاقات سابقة الصنع من تصميم الحكومات. ولأن ثورة يناير كانت لم تزل ذات أثر عميق في نفوس الكثيرين بمن فيهم أنا؛ اتخذت القصة مسارًا سياسيًا عامًا، تقاطع مع المسار الاجتماعي الخاص، الممزوج بمذاق الديستوبيات الغرائبية.

– أبرز الشخصيات:

في “ولا تقربي هذه الشجرة” كانت لشخصية الأمهق وشخصية ليلى، بالغ الأثر علي. حلمت بالأمهق عددًا من المرات، وكلاهما كانا يرافقانني أثناء الكتابة ويمليان علي كل ما أكتب. لم يكن الإرهاق نابعًا من صعوبة بناء الشخصية، فكلمة (بناء) يمكن أن أطلقها على صناعة عالم هذه الرواية، لقد بنيته حرفيًا، أما ليلى والأمهق، فقد ظهرا بالولادة لا بالبناء.

– استغناء رواية (ولا تقربي هذه الشجرة) عن الشكل التقليدي للحوار:

كنت أدرك تمامًا صعوبة الاندماج مع أحداث رواية بلا حوار، لكن لم يكن هناك بدًا من ذلك، لأن فكرة الرواية قائمة بالأساس على الخلل في التواصل الإنساني، وعلى سيطرة السلطة على الشعوب من خلال السيطرة على اللغة. إذا فانعدام الحوار قائم أساسي مقصود بنيت عليه الرواية. كان يجب أن يكونوا بكمًا، وكان يجب أن تكون البطاقات المجهزة بديلًا للحوار. هذا الأثر الذي تتركه بطاقة ركيكة لا معنى لها، هذا الإحساس بالانزعاج والسخف وعدم الاكتفاء، هو تمامًا ما قصدت تمريره للقارئ.

– تصنيف (الظلام يرى)؟

إلى اللحظة لا أستطيع الإجابة عن هذا السؤال بالذات، حتى أني أجد صعوبة في اختيار اقتباسات لمشاركتها عبر وسائل التواصل مثلًا، لأن كل اقتباس سيندرج تحت أحد التصنيفات السابق ذكرها وسيوحي لقارئها بأن الرواية بالكامل تقع في هذه الفئة، وهو ما سيكون بالتأكيد انطباعًا خاطئًا عنها. ولنفس السبب واجهنا صعوبة كبيرة أنا ودار النشر، في اختيار تصميم للغلاف، وكلمة لظهر الغلاف، حتى عنوان الرواية تم الاتفاق عليه بعد الكثير من المناقشات واختلاف الأراء.

– شخصيات (الظلام يرى):

الرواية بالكامل كانت بالغة التعقيد، ومعظم شخوصها أصابوني بلوثة ما، أو أنني أنا من أصبتهم بالجنون لا أدري تحديدًا، ولا أعلم إن كان هناك فرق من الأساس. لقد أعدت كتابة هذه الرواية على ما أذكر سبع مرات على مدار سنوات، ولم تكن عمليه الكتابة سلسة وممتعة، بل كانت عملية جراحية طويلة ومؤلمة، ومخيفة، لأسباب عديدة لا يتسع المجال لذكرها هنا. شخوص “الظلام يرى” لو يولدوا بنفس طريقة ولادة ليلى والأمهق في “ولا تقربي هذه الشجرة”. لقد كانوا ألغاما دفينة، تفجرهم الكتابة تباعا على الورق.

وبالنسبة للشخصيات المستلهمة من أناس حقيقيين، فيمكنني القول أن “حسين” في “الظلام يرى” هو بشكل ما وباختلاف التفاصيل، هدية من رجل حقيقي في دائرة معارفي. ربما لم أقابله بشكل شخصي حتى هذه اللحظة، لكنه كان صاحب أثر عظيم على إعادة رسم مسار الرواية بأكملها.

– (لبني):

شخصية لبني كانت العقدة التي صنعتها كل الخيوط المتآكلة المتشعبة في الرواية.

لقد حملت في روحها إرثا من الجنون، لا يمكن أن تنتج عنه شخصية سوية متسقة مع نفسها. كانت مريضة اكتئاب، ومصابة باضطراب تبدد الواقع الذي كانت تصفه بالظلام الأبيض، إلى جانب ظروف نشأتها غير العادية. كل هذا جعلها شخصية انتحارية، تحاول الاقتراب من حافة الموت بكل الطرق الممكنة. بالنسبة لتطوعها بتغسيل الموتى، يمكن أن يُقرأ على أنه واحد من تلك الطرق، ويمكن أيضا أن يفسر على أنه نوع من محاولة التكفير عن ذنوب اقترفتها تسببت لها في شعور عارم بالذنب، عزز كل ما سبق ذكره من اضطرابات نفسية.

– تغطي رواية أحداث (الظلام يرى) مساحة زمنية تمتد إلى آلاف السنين، إلى أي مدى قد كنتِ قلقة من أن يتسبب ذلك في تشتيت القارئ؟

على مستوى معين، كنت قلقة من تلقي القارئ للرواية عموما لأكثر من سبب، أحدها السبب الذي ذكرته، وعلى مستوى آخر حاولت تنحية هذا القلق جانبًا، حتى لا يلجم خيالي أثناء عملية الكتابة وينحى به نحو المسارات المألوفة والآمنة.

– بدأت رواية (الظلام يرى) في شرح أجواء اجتماعية تمامًا، ثم تخللها فانتازيا سيرالية تمامًا على غرار (القلب الذي يتم زرعه لينبت شجرة) أو (أنسنة الجنون وكأنه شخص)؟ كيف استطعت التوفيق بين هذا التضاد؟

لا أستطيع أن أجزم إن كنت قد تمكنت فعلًا من تحقيق هذا الهدف، إلا أني أكاد أشك أنه كان هدفًا من الأساس. أذكر أن الأحداث عندما كانت تشرع في اتخاذ نمطًا طبيعيًا منطقيًا، سهل التتبع والتفسير، أجدني في حاجة ملحة لتفجير هذا المنطق، والبدء في اللعب بالشظايا المتبقية والبناء من جديد. كنت أكتب الرواية أثناء فورة من الجنون وأردت أن يصاب القارئ بذات اللوثة.

– في رواية (الظلام يرى)، قام الوباء بتقسيم أهل الكوكب إلى مجانين وعقلاء، وظل الصراع مستمرًا على هذا النحو، لكن في مرحلة لاحقة، تم حصر الشر في الرجال فقط مع أن النساء كنّ شركاء في نفس الصفة؟ ألا ترين أن هذا التحول لم يكن سلسًا ومنطقيًا تمامًا؟

قرأت السؤال أكثر من مرة أثناء استدعائي أحداث الرواية، وحتى كواليس كتابتها، ولم أجد سببًا مقنعًا –من وجهة نظري- يمكن أن يتسبب في هذا الانطباع. قد يكون السبب مثلًا أن عدد شخصيات الرجال أكبر من عدد الشخصيات النسائية وأكثر تأثيرًا، وبالتالي ظهرت الجوانب السلبية فيهم أكثر دون قصد مني، لكن الأكيد أنني بوجه عام بعيدة تمامًا عن منطقة الهوس باتهام الرجال وشيطنتهم، مما جعل الأغلب الأعم من كل من قرأوا لي، يعلقوا بأني بعيدة عن منطقة الكتابة النسوية التي تتميز بهذا النوع من الهجوم المستمر على الرجال.

– رأيك في مصطلح (الأدب النسوي) بشكل عام؟

ليس لي الحق في إبداء الرأي في مصطلح الأدب النسوي، لأنه اتجاه أدبي محدد المعالم، معترف به نقديًا، إلى جانب أنه يهم شريحة ضخمة من القراء والقارئات في العالم بأكمله، لكن ما يمكن الاعتراض عليه هو الخلط المخل بين مصطلح الأدب النسوي ومصطلح الأدب النسائي، فالأدب النسائي يشمل أي عمل أدبي مكتوب بقلم امرأة، أما الأدب النسوي فهو القائم على القضايا النسوية المعروفة، حيث يناقش حقوق المرأة، والصراعات التي تواجهها في المجتمع في سبيل الحصول على الحرية والمساواة، أو حتى الإمعان في عرض وجهات نظر وانطباعات ومشاعر النساء تجاه القضايا والعلاقات والمواقف الحياتية المختلفة، من زاوية رؤيتهم الخاصة.

وكما هو واضح، فكتابتي لا تنتمي للأدب النسوي، وهذه الحقيقة ليست ميزة أو عيب، وأنا قد أصيب وقد أخطئ حينما أرى أن الأدب النسوي الذي يمكن القول أنه يدافع عن حق المرأة في المساواة والانطلاق والتحرر من قيود الرجل، هو بشكل ما يحافظ على كل تلك القيود، من خلال مواصلة اجترار نفس المشاكل ونفس الحلول، بفروق طفيفة طبعًا. رأيي الشخصي هو أن التحرر المنشود سيتحقق عندما نطلق العنان لخيالنا وأفكارنا واهتماماتنا في مناطق بعيدة عن تلك الدائرة المفرغة، ولا أقصد هنا أن نتجاهل قضايا المرأة والظلم الواقع عليها، على العكس تماما. فأنا مهتمة جدًا ومهمومة بقضايا حقوق الإنسان بوجه عام، وأتمنى أن تناقش الكثير من الأعمال الأدبية كل ألوان الظلم الواقع على كل البشر، باختلاف جنسهم أو جنسياتهم أو دياناتهم أو انتماءاتهم، وهذا لا يتعارض مع النسوية في شيء، لكن لماذا أحصر نفسي في منطقة ذات حدود معينة مسبقًا -مهما بلغت من الأهمية- ما دمت أستطيع الكتابة بلا حدود أو تنميط؟!

– احتوت (الظلام يرى) على عدد كبير من الشخصيات والمسارات الزمنية، معظمها يصلح كبداية أو كنهاية، مما يدع المؤلف أمام عدد لانهائي من الاحتمالات أمام خيوط تصلح للتقديم أو للتأخير، كيف تمكنتِ من “إدارة” قرارات الفلاشباك والفلاشفوورد في الرواية، والاستقرار عليها في هذه الصورة؟

يمكن أن يكون هذا هو السبب الأساسي لإعادة كتابة الرواية أكثر من مرة. في كل مرة كنت أفككها وأعيد ترتيب الأزمنة، والنقلات بينها وبين المواقف والشخصيات المختلفة، إلى أن وصلت للشكل النهائي الذي صار فيه تتالي فصلين من زمنين مختلفين، أو الانتقال من راوي لأخر، يتم بشكل مقصود لتمرير معنى محدد، وليس لمجرد الاسترسال في السرد، ويمكن ملاحظة هذا أحيانًا من التماس بين خطين يفترض ألا تربط بينهما أي علاقة من الأساس، بجملة واحدة مثلًا. بالطبع يحتمل أن تكون متابعة الأحداث بهذه الطريقة مرهقة إلى حد ما، لكنها تحمل من الإغراء ما لا يمكن مقاومته، من حيث كم المعاني والرموز والتساؤلات التي يمكن أن تفجرها تلك الحلقة الصغيرة التي تربط سلسلتين مستقلتين عن بعضهما.

– مدى احتمالية العودة إلى كتابة جزء ثانٍ من (الظلام يرى)؟

لا أظن أني سأفكر أبدا في إفراد عمل ثان، أعيد فيه استخدام أحد فصول الرواية، بشكل أكثر توسعا وتفصيلا، بالرغم من سهولة القيام بذلك. أخبرني أخي وهو أول من يطلع على مسوداتي فور أن انتهى من قراءة المسودة، أنني أحرقت عددًا من الأفكار كان يصلح لكتابة عدد من الروايات المنفصلة، وأنه على الرغم من إعجابه بهذا المزيج إلا أنه لو كان مكاني كان سيتردد كثيرًا في التضحية بالعدد في سبيل التكثيف. لكن الرواية كما تصورتها أنا، لم يكن لها أن تظهر بشكل مختلف.

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى)، من رواياته (وراء الحواس، قربان، ..).