ذكريات جيل مع د.نبيل فاروق

عندما تنتهي أصابعك من الضغط على جميع الأرقام وتستمع لصوت الـ(ترررن تررن) المميز لمرة واثنين ثم ينقطع صوت الـ(ترررن) لتتهادي إلى أذنيك موسيقى حالمة لأجواء ألف ليلة وليلة الأسطورية لمدة ثواني يليها صوت الدكتور نبيل فاروق الهادئ ذو النبرة المميزة:

– «أنا دكتور نبيل فاروق أنا مش ف المكتب دلوقت، لو سمحت سيب رسالتك بعد سماع الصفارة» تيييت.

يعرف جيل الثمانينيات هذه الكلمات جيدًا، يحفظها بعضهم عن ظهر قلب، عندما كنا نعاود الإتصال عبر الهاتف الأرضي ليرد علينا تلك الرسالة المسجلة، من منا لم يجرب مرات ومرات الاتصال بدكتور نبيل فاروق ليستمع إلى صوته ويناقشه في أعداد سلاسل رجل المستحيل وملف المستقبل، أو معرفة مصير عائلة البنهاوي في أرزاق، أو ماذا سيفعل سيف العدالة أو فارس الأندلس.. إلخ.

عرفت عالم نبيل فاروق من خلال أبناء عمي، كنت في الصف الخامس الابتدائي وكانت أعداد ملف المستقبل التي انبهرت بها، خصوصًا أنني كنت طفلة خيالية جدًا، عشقت فريق نور الدين محمود والتناغم بينهم، فهمت بسببهم معني كلمة فريق، عرفت كم من المعلومات والحقائق العلمية والحالات الغريبة المسجلة في كتب التاريخ من خلال الهوامش التي كان يتركها لنا في نهاية الصفحة، لوقت طويل اعتقدت أن المؤسسة العربية الحديثة لا تنشر لكاتب سوى دكتور نبيل فاروق.

كنا صبايا عشقن نور الدين محمود وتعلمنا منه معني حُب الوطن ونبذ العنف وكُره إسالة الدماء، حتي أنني كرهت اللون الأحمر لأنه لون الدم، تفوق بعضنا في اللغة الإنجليزية ثم الفرنسة لأجل أن نكون مثل أدهم، حتى أننا حاولنا تعلم الكاراتية والتايكوندو لنكون مثله.

لم يكن هناك إنترنت ولا مواقع تواصل إجتماعي كما هو الحال الآن، فكنت أكتب خطابات متواصلة لدكتور نبيل أناقشه في القصص وأحداثها، أحاول حل لغز حقيقة شخصية السينيورا الغامضة، قبلها بكيت من قلبي علي موت أدهم وترمل منى بدون زواج، واستبدال رجل المستحيل بحسام حمدي، كنا نتنافس بيننا عمن كتبت خطابات أطول وأكثر له.

في المدرسة لم أكن بارعة في مادة العلوم ولا الرياضيات لكن لا يمكن أن يكون هناك سؤال من خارج منهج العلوم إلا وكنت أنا الوحيدة التي تجيب عنها وذلك بفضل المعلومات في هوامش ملف المستقبل أو مقالات كوكتيل 2000 وزووم، عرفت عواصم البلاد وأسمائها المختلفة من مغامرات أدهم صبري، وعلي قدر ما سافرت مع نور الدين في أنحاء مصر وخارج الفضاء، سافرت مع أدهم ومني في العواصم الأوروبية وعرفت مناخها وطبيعة شعبها.

المؤسسة العربية الحديثة اسم ظل وسيظل في ذاكرة جيل الثمانينيات إلى الأبد وحاول الكثيرون أن يورثوا لأبنائهم حب تلك المؤسسة التي كانت السبب الرئيسي في عشقهم للقراءة والمعرفة؛ فتلك المؤسسة العريقة تمسكت بنهج تربوي رائع عندما كانت تنشر خلال العام روايات مصرية للجيب في مواعيد ثابتة خلال الصيف وخلال معرض الكتاب القاهرة الدولي للكتاب.

أما في أوقات الدراسة فكانت تنشر الكتب المدرسية (سلاح التلميذ) وانتهجت المكتبات نفس النهج مازلت اتذكر مكتبة (الضياء) لصاحبها الدكتور أحمد -المحاضر في الجامعة والمهتم بالثقافة- التي كنا نذهب إليها أنا وصديقتاي إيمان وسهام لنسأل عن الأعداد الجديدة  أو سلاسل جديدة بنظراتنا المتعلقة بأرفف القصص ونحن نحلم بصيف مليء بالأحداث، فإذا حل وقت الدراسة قال الموظف بلهجة قاطعة:

– الدكتور أحمد قفل المخزن على القصص، في وقت الدراسة لا قصص تُباع!

كنا نتسابق لإرسال الخطابات لدكتور نبيل حتي نرى أسمائنا في باب عزيزي القارئ في سلسلة كوكتيل 2000، لتكسب الرهان صديقتنا إيمان بنشر اسمها أولًا ثم أنا بعدها، لكن أتفوق أنا عليهن جميعًا بأن الدكتور نبيل فاروق اتصل بي تليفونيًا J ولهذا قصة لطيفة.

عندما عرفنا أنه بإمكاننا أن نتصل بالدكتور عبر رقم مكتبه بالمؤسسة، كنت اتصل تقريبًا عشر مرات في اليوم، وأترك رسالة عبر الأنسرماشين معرفة نفسي بأنني رحاب صالح من بلطيم التي لا تترك واردة ولا شاردة من كتاباته، لم أمل أبدًا من الاتصال وترك رسالة.

لم أتوقع أن يرن جرس الهاتف في ظهيرة أحد الأيام لأستمع للصوت ذي النبرة المميزة يسأل عني ويعتذر بأنه كان مسافرًا لوقت طويل، عندما جاء وسمع رسائلي أحب أن يتحدث معي ليعتذر عن عدم رده إلا متأخرًا، مازلت أتذكر اندهاشي وفرحتي وعدم تصديقي، لولا أن أختي كانت بجواري وقتها تضع أذنها على سماعة الهاتف بجانب أذني ما كنت صدقت أنه حدث حقًا، وظللت لوقت كثير أفتخر بتلك المكالمة برغم تواصلي بعدها مع الدكتور تليفونيا كثيرًا.

كبرنا ، وكبر حبنا وشغفنا للقراءة ولم نكبر علي روايات مصرية للجيب، أتذكر الزميلة التي كان تنسيقها في الثانوية العامة كلية طب القاهرة أنها ستتخصص في الطب الشرعي أو الجنائي، وأنها ستبحث عن الدكتور محمد حجازي، أو أنا التي دسست أنفي كمشيرة محفوظ في بلاط صاحبة الجلالة.

جناح المؤسسة العربية الحديثة في معرض الكتاب هو أول جناح لابد من زيارته دائمًا، وإلي الآن لم تتغير هذه العادة عندي وعند كثير من الأصدقاء، وعلى مدار سنوات ظهرت أسماء رأيناها في عزيزي القارئ أو زووم أو بانورما أصبحوا صحفيين أو روائين ذوي شهرة واسعة حاليًا.

اختلفنا أو اتفقنا سياسيًا، لا نستطيع أن ننكر فضل هذا الكاتب أبدًا علي جيل الثمانينيات وما بعدها، خير دليل على هذا أن آخر مرة رأيت فيها دكتور نبيل كان في معرض الكتاب القديم -قبل نقله بسنتين تقريبًا- في حفل توقيع بجناح المؤسسة، لم يحضره جيل جيل الثمانينات فقط، بل شاهدت عدة أجيال تقف في طابور طويل لنيل توقيعه والتقاط صورة معه.

نبيل فاروق هو رجل المستحيل، هو كاتب المستحيل، فهل رأيت مثله كاتب؟ كتب في مجالات الخيال العلمي والفانتازيا والمغامرات البوليسية والتاريخية والإجتماعية والساخرة؟ كتبها جميعًا بنفس الإبداع والبراعة ولم يكن هناك أي تشتت أو ملل، حقًا لو كان دكتور نبيل فاروق في مكان اخر غير مصر لكان له شأن أخر، لكنه عُرف عبر العالم العربي كله وسيظل.

وإذا كنا اشتقنا لرؤية أدهم صبري عبر شاشة السينما فلا ننسي ما سبقها، سواء العميل 1001 أو الرهينة.

رحمك الله رحمة واسعة يا أستاذنا، وجزاك عنا كل خير.

عن رحاب صالح

خريجة كلية إعلام- صحافة، شاركت في إصدارات جماعية، منها: صندوق ورق، نوافذ مواربة.