روايات صنعت وعي (1) V for Vendetta

• كتب: وسام الدين محمد عبده.

كان للعقاد في أربعينات القرن العشـرين، رأي شديد القسوة بشأن الرواية، إذ ربط بين ذيوع فن القصة والرواية وبين انتشار التعليم بين العامة، ولو أنصف لرأى كيف أن الرواية يمكن أن تفتح باب الوعي لهؤلاء، وإن كان الغث أكثر من الثمين في عالم الرواية، إلا أن الذهب يطرد دائمًا المعدن الرخيص، وإلا لما بقي لليوم أعمال مثل (الحرب والسلام) و(البؤساء) و(الحرافيش) واختفت تلك الروايات الرخيصة الفارغة من المحتوى والممسوخة الشكل.

وقد رأيت أن أخصص هذا الشهر لعرض أربع روايات، أحسب أنها من الروايات التي ساهمت في تشكيل الوعي حول العالم، وقد اخترت أن أبدأ بشكل خاص جدًا من الرواية، هو الرواية المصورة Graphic Novel، وهي رواية لا تعتمد فقط على السرد، ولكن على الرسم الذي يعبر عن هذا السرد، فتتحول الرواية إلى ما يشبه مشاهد متتابعة من فيلم سينمائي، لا ينفصل فيها الحكي عن الصورة؛ وهذا النوع من الرواية يكاد يكون نادرًا في المكتبة العربية، ولولا تجارب لبعض المبدعين مثل (فواز) و(مجدي الشافعي) لعدمت.

أما الرواية التي أقدمها فهي Vendetta for V وهي من تأليف الإنجليزي (آلان مور) وقام برسمها الفنان (دافيد لويد)، وقد نُشرت مسلسلة في مجلة بريطانية مصورة ابتداء من مارس 1982 وحتى فبراير 1985، حيث نشـر منها اثني عشـر حلقة قبل أن تتوقف المجلة عن الصدور ولا تكتمل السلسلة. إلا أن نجاح السلسلة بين محبي الروايات المصورة حفز شركة DC -عملاق صناعة المجلات المصورة الأمريكية- على شراء  حقوق الملكية الفكرية للرواية، فتمكن المؤلف والرسام من استكمال الرواية، والتي أعادت DC نشـرها مسلسلة في عشـرة أجزاء في الفترة بين سبتمبر 1988 ومايو 1989.

الرواية تدور في مستقبل افتراضي ومسرح أحداثها بريطانيا التي التزمت الحياد في أثناء الحرب النووية فنجت من الدمار، إلا أنها لم تنجُ من عواقب هذه الحرب من التلوث النووي والمجاعات، فكانت النتيجة أن استولى على الحكم حزب يميني فاشي يحمل اسم (نورس فاير)، والذي يحكم بريطانيا بنشر الخوف والإرهاب.

بطل الرواية رجل غامض يضع على وجهه قناع لشخصية تاريخية حاولت نسف البرلمان الإنجليزي في القرن السابع عشر، ويحمل كذلك اسم غامض هو حرف V.

تبدأ الأحداث عندما تتعرض (إيفي هاموند) لاعتداء من قبل عناصر تابعة للشـرطة السـرية المسماة (الإصبع)، يتدخل V وينقذها؛ ومن هنا ترتبط (إيفي) برابط عاطفي غريب بـV، فهي تنظر إليه نظرتها لوالدها الذي أعدمته عناصر الشـرطة السـرية، ومن ثم تنضم إلى حملته التي تستهدف اغتيال عدد من رجال (نورس فاير).

يتصدى لكشف شخصية V والقبض عليه (إريك فينش) المفتش في الجهاز الأمني المسمى (الأنف)، ومن خلال (فينش) يسلط المؤلف الضوء على كيفية نشأة شخصيته الرئيسة V، فهو أحد ضحايا معسكر اعتقال يستخدمه نظام (نورس فاير) للتخلص من هؤلاء الذين يصفهم بأنهم أعداء البلاد.

ونتيجة للتعذيب الذي تعرض له V؛ فقد ذاكرته وهويته، لا يذكر إلا هؤلاء الذين عذبوه، لا يعرف عن نفسه إلا رقمه في معسكر الاعتقال، الرقم خمسة بالأرقام الرومانية والذي يوافق حرف V في الأبجدية اللاتينية، وهو كذلك الحرف الأول من كلمة Vendetta التي تعني الثأر. وعند الانتهاء من حملته الثأرية على هؤلاء الذين أداروا معسكر الاعتقال، ينتقل إلى حملة ثأرية أخرى تستهدف النظام الذي صنع معسكر الاعتقال وفرق أبناء الشعب الواحد واستضعف فريق منهم، يلقيهم في غيابات السجن دون جريرة ويقتلهم دون شفقة، ويستخدمهم كفزاعة لبقية الشعب، حتى يحكمهم بالخوف من شياطين مجهولة يروجها من خلال جهازه الإعلامي المسمى (الفم)،

تنضم له V بعد أن يعرضها لتجربة عنيفة ويدفعها لتقمص مشاعر واحدة من ضحايا (نورس فاير)؛ ومن ثم يقوم V بحملة واسعة الغرض منها تحريك الناس ضد الحكومة الفاشية، في الوقت الذي يتحالف فيه أحد أجنحة الحكومة الفاشية (بيتر جريدي) قائد الشرطة السرية مع العصابات الإجرامية لشن حملة ترويع للناس، بهدف مساعدته على تنظيم انقلاب على قائد الحكومة الفاشية ويحل محله، في الوقت الذي يعمل (فينش) على القبض عليه، لتنتهي المطاردة بمقتل V ومقتل فينش، لتحل محله (إيفي) التي ترتدي ملابسه وقناعه وتحمل رسالته حتى تنفجر الثورة التي سعى لها V في صورة نسف مقر مجلس الوزراء باستخدام قطار يحمل جثمان V وكميات من المتفجرات في محاكاة لجنازات محاربي الفايكنيج.

الرواية، ومن خلال مزج الحكي والصورة، استطاعت أن تحدث حالة من التواصل النفسـي والعقلي مع البطل والحدث؛ حتى يمكن لقارئها أن يمد يده لمنع (إيفي) من خلع قناع V لحظة موته، ثم يرد يده مرتاحًا عندما تتوقف عن هذا الأمر، ليبقى V كما أدركت (إيفي) رمزًا وليس شخصًا.

الكثير من العبارات التي قيلت على لسان الأبطال أصبحت مأثورات ثورية في أنحاء العالم، منها مثلًا العبارة التي يعبر بها V عن رسالته «لا أريد أن أخبر الناس بما عليهم أن يفكروا فيه، ولكن أريد فقد أن أجعلهم يفكرون»، وعبارته الأخرى «الأفكار مضادة للرصاص»؛ وقد استطاع صانعا الرواية مناقشة عددًا من المفاهيم الفلسفية المعقدة من خلال عملهم هذا، فتعرضا لمسائل حول قيمة الإنسان، ومسئولية الفرد، وقيمة الوعي والمبادرة والتضحية، وانتقدا الأنظمة الفاشية التي تتستر وراء مفاهيم الوطنية والدولة المبهمة، ورسما صورة عامة لهذه الأنظمة التي تعتمد على المؤسسات القمعية، والسيطرة على الجماهير من خلال الآلة الإعلامية.

تحولت الرواية إلى عمل سينمائي حمل نفس اسم الرواية وعُرض عام 2005، وقام صناع الفيلم بتغيير في الأحداث يلائم تغيرات العصـر، فجعل من استيلاء الفاشيين على السلطة في بريطانيا نتيجة لحادثة إرهاب بيولوجي كبيرة يتم إلصاقها بالأقلية البريطانية المسلمة، ليكتشف المشاهد أثناء الأحداث أن الحادثة من تدبير الفاشيين للاستيلاء على السلطة والثروة، كما أن صانعو الفيلم أرادوا من مشاهد النهاية أن تكون أكثر تعبيرية ورمزية.

تحولت الرواية والفيلم إلى مصدر مهم من مصادر الوعي الثقافي للعديد من التيارات الفكرية حول العالم، كما تحول قناع الشخصية إلى رمز ثوري نراه حاضرًا دائمًا في مختلف الاحتجاجات حول العالم، ويرى الكثير من النقاد أن الرواية تمثل عمل سياسي فلسفي، بينما اعتبرها خصومها بيان فوضوي ضد النظام، ولو أن العقاد رحمه الله أدرك هذه الرواية وتأثيرها على المجتمع، لربما غير من رأيه بشأن قيمة القصة والرواية.

 

عن لأبعد مدى

مبادرة أدبية متخصصة، تأسست عام 2014م.