صالون سالمينا الثقافي: عامان/ 40 ندوة/ ومستمرون

• كتبت: رباب فؤاد.

قبل عدة أعوام، حينما بدأ نشاط الفؤاد للنشر والتوزيع، كانت الأحلام كبيرة والطموحات لامتنهاهية، والرغبة صادقة في خلق حراك ديناميكي في الوسط الثقافي؛ بحيث يتواكب مع التفاعلات والتغيرات التي كانت تحدث في المجتمع آنذاك. وقد نما لدينا الإحساس وقتها أن الوسط الثقافي مازال بحاجة -في فورة تجديد الدماء- إلى المزيد من المنابر الثقافية التي تمثل الشباب وتعبر عن فكرهم وتعكس أسلوبهم المختلف.

بذلنا جهدًا -ليس بالقليل- من أجل إدراك هذه الغاية، وشاركنا في العديد من الفعاليات بهدف توصيل أصواتنا إلى أكبر عدد ممكن من الشباب والفئات الأخرى المهتمة بالثقافة، وتعاوننا مع عدد من الكيانات الثقافية الواعدة آنذاك. وكان من الواضح أن الطريق شاقٌ وعر، والتحديات ليست بالهينة.

إلي أن جاءت تلك اللحظة -قبل عامين- التي قررنا فيها الإنتقال إلى القاهرة، وكانت الفرصة التي نبحث عنها من خلال الشراكة مع المعماري الفنان أحمد ربيع، فتلاقت الطموحات والأحلام والأفكار لتتحول إلي واقع ملموس، ويتجسد الحلم بإفتتاح مقرنا المشترك ومولد:

– صالون سالمينا الثقافي.

وهو صالون ثقافي ليبرالي غير ربحي، ليس له أي توجهات سياسية. هو ببساطة في نهاية الأمر منبر ثقافي مستقل، معني بالإبداع الأدبي وإفساح المجال للمبدعين والاحتفاء بالأقلام الجادة فحسب.

تساءل كثيرون عن السر خلف التسمية، رغم أن باب الشركة يحمل شعار شركته العقارية بنفس الاسم، لكننا لا نمل الإجابة في كل مرة. وكان توجهنا منذ البداية ألا يرتبط الصالون بدار نشر بعينها، كي لا يتحول الأمر الي وسيلة ترويجية لمطبوعات الدار فحسب؛ من أجل ذلك شملت قائمة الأعمال الأدبية التي تمت مناقشتها خلال ندوات الصالون، إصدارات متنوعة لدور نشر متميزة أبرزها دار الشروق والمصرية اللبنانية وروافد إلي جانب دار الفؤاد بالطبع.

على مدار عامين، تطورت الأفكار وتبلورت، وازداد تراكم الخبرات مع تواصل الندوات كل أسبوعين. كذلك حرصنا علي تحقيق التنوع، وحاولنا منذ البداية ألا يقتصر الأمر علي فئة معينة من الكُتاب، أو نمط معين من الإنتاج الأدبي، فمزجنا ما بين القامات الأدبية الكبيرة والمواهب الشابة الواعدة. وكانت معايير الإختيار دائمًا واحدة ومحددة في جميع الندوات، تنحصر في قوة العمل قيد النقاش، مع تميز المنصة وحرفية نقادها -على تفاوت أعمارهم وخبراتهم ومرجعياتهم- من أجل ضمان التنوع وشمولية الرؤية.

ضم الهيكل الرئيسي للصالون عشرة نقاد وكتاب وأساتذة متخصصين، جميعهم يشارك برأيه بعد تحليل النص وقراءته النص الأدبي بتعمق، ثم إعداد مداخلات تعطي العمل الأدبي حقه الكامل في النقاش وتعدد زوايا التناول والرؤى، مما أعطي ندوات صالون سالمينا طابعًا مميزًا بمشاركة فعالة من جانب أعضاءه الدائمين ومرتاديه برؤاهم النقدية المختلفة، وانطباعاتهم عن العمل قيد النقاش بصورة مركزة مختصرة سريعة الوتيرة تلاءم طبيعة العصر. فنجحنا بذلك في إرساء دعائم تتجنب النمط التقليدي من المداخلات المطولة أو الأكاديمية التي تجاوزها العصر بإيقاعه. وضمنا بذلك حيوية المناقشة والموضوعية الكاملة في الطرح والتناول- والتي تنتفي معها أي شبهة مجاملة أو محاباة للعمل الأدبي أو لكاتبه- لأي من الكُتاب الذين تتم مناقشة أعمالهم في رحاب الصالون.

كذلك تمكنّا من تحقيق التنوع الكبير في الأعمال الأدبية المطروحة للنقاش خلال الندوات. وتنوعت القامات الأدبية التي حلت ضيفًا على منصة سالمينا لتشمل الكاتبة الكبيرة سلوى بكر، وهي الكاتبة المصرية الوحيدة الفائزة بجائزة دويتشه فيلا الألمانية رغم  صعوبة معايير الاختيار لهذه الجائزة العالمية، كما شملت كاتب النوبة الكبير حجاج أدول، وكاتب البوكر عادل عصمت، والعملاق فتحي امبابي، وناقد كتارا وأحد محكميها محمد سليمان الزيات.

ومن الكُتاب الصحفيين ناقشنا الكاتب الكبير محمد القصبي رئيس تحرير جريدة الدستور السابق، والكاتب عادل سعد رئيس تحرير مجلة المصور، والكاتبة منصورة عز الدين أحد المرشحين في القائمة القصيرة لبوكر 2010. وتجاوزنا النطاق المحلي للمجال الإقليمي، حيث ناقشنا عددًا من كُتاب الأقطار العربية الشقيقة.

تنوعت القائمة لتشمل الكاتب العراقي الكبير علي لفته سعيد، الناقد بأربعة من كبرى الجرائد والمجلات العراقية والجزائرية، وأديب كتارا اليمني محمد الغربي عمران، والكاتبة الجزائرية زهرة كيشاوي الحائزة علي الجائزة الأدبية الأولي بالجزائر، والكاتب العراقي د. كريم صبح، الأستاذ الجامعى بجامعة بغداد، والكاتبة النمساوية سونيا بوماد، أحد أعضاء فريق الأمم المتحدة لنشر الثقافات على مستوى العالم (اليونسكو)، والكاتبة الصحفية اليمنية فكرية شحرة، وغيرهم كثر.

وعلى مدار أكثر من أربعين ندوة، قابلتنا الكثير من المواقف، منها السيء وأكثرها الجميل الذي لا يُنسى. في البداية كانت تطاردنا نظرات الريبة والإستفهام والتساؤل عند التعريف بالصالون في بداياته، أو عند الحديث عن تمويل دعاية الندوة بأرقام كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي. وقد أثار ذلك التحفظات والتساؤلات التي بلغت حد الإتهامات في بعض الأحيان. وهو أمر متوقع وغير مستغرب إذا ما قررت أن تكون مجددًا متبنيًا لمنهج التحديث. ولكن لابد في النهاية أن تفرض الفكرة الجيدة نفسها. فقد أصبح أسلوبنا المختلف في الدعاية للكاتب والناقد على حد سواء أكثر ما يميزنا، وتراجعت نظرات التساؤل والريبة ليحل مكانها نظرات التقدير تجاه أسلوب العمل المختلف وكفاءة الأداء وتميز النقاش.

تأتي الجائزة الكبري دائمًا عند نهاية كل ندوة، حين نرى ابتسامة الود والامتنان والرضا التي ترتسم علي وجوه المشاركين في الندوة من أعضاء المنصة وضيوف الصالون، وحين تسمع تساؤلات الحاضرين واستفساراتهم عن موعد الندوة القادمة والعمل القادم والضيف المرتقب. حين ترى أعداد متابعي الندوات علي الموقع لحظة حدوثها وتعليقاتهم المشجعة، ويتنامي عدد مشاهدي الفيديوهات علي الموقع بعد الندوات ليصل إلي آلاف المشاهدين والمتابعين. وحين تأتيك تعليقات المتابعين من الأقاليم لتعبر عن امتنانها لمستوى ما يتم تقديمه ومناقشته ويعرب عن أمله في المشاركة الفعلية داخل الصالون في يوم من الأيام.

تمضي بنا الأعوام لتجعلنا في كل خطوة نخطوها أقرب الي الحلم الذي بدأنا من أجله هذا النشاط. فكرنا وطورنا واجتهدنا بحب وصدق وإخلاص ويقين لا يتزعزع وجهد ومثابرة، يحدونا الأمل في غد مشرق ومستقبل أفضل للفكر والثقافة العربية. نحاول بكل ما أوتينا من عزم أن نساهم -ولو بقدر ضئيل- في مسيرة التقدم والحداثة. نضيء الشموع الواحدة تلو الأخري لتنير الدرب أمام أولئك الطامحين والمتطلعين لمستقبل أفضل وآفاق أكثر رحابة. ونحن علي العهد وسوف نظل علي الدرب.. معكم وبكم يتحقق الأمل.

واليوم ونحن نبدأ عامنا الثالث من النجاح والتعاون المشترك بين صالون سالمينا الثقافي ودار الفؤاد للنشر والتوزيع، ما زلنا نراقب عن كثب الأوضاع الصحية والاقتصادية الراهنة الناجمة عن فيروس كورونا، ونواصل الحفاظ على إجراءات الوقاية الاحترازية، وفق المقاييس العالمية -وليس فقط المصرية-  لحماية ضيوفنا الأفاضل والحفاظ على استمرارية الندوات في مواعيدها كل أسبوعين. وندعو الله أن يرفع عنا الوباء ليعود وجه الحياة إلى سابق عهده دون الحاجة لتلك التدابير والمحاذير.

عن لأبعد مدى

مبادرة أدبية متخصصة، تأسست عام 2014م.