عن مسلسل (ما وراء الطبيعة).. عذرًا يا دكتور..

♠ هذا المقال يحتوي حرقًا جزئيًا لأحداث مسلسل ما وراء الطبيعة المعروض حاليًا على نتفليكس..

الأعز د.أحمد خالد توفيق..

رأيت بالأمس تجسيدًا أحد أيقوناتك الشهيرة على شاشة نتفليكس العالمية، وكنت في غاية البهجة منذ تتر البداية.. والحق يقال أن المنصة العالمية لم تدخر أي جهد في الترويج للمسلسل مثله مثل غيره من الأعمال العالمية..

استحضرتُ تقنيات مشاهدة الأعمال المميزة، بداية من إظلام الغرفة حتى تفادي أي مكالمات وتنبيهات من هاتفي، وفي مؤخرة رأسي كان يتردد بإلحاح ما عملت جاهدا عليه: أرجوك انسَ أي عمل مكتوب عن عصا المكنسة الصلعاء رفعت إسماعيل وعوالمه الورقية شديدة الدسم والإبداع؛ وشاهد عملًا مصريًا (كُتب من الخدش) كما يقول التعبير الغربي..

ولكنك تعلم يا دكتور بالفعل أن هذا سيكون مستحيلًا، وأن رفعت إسماعيل “الأصلي” سوف يتسلل من بين ثنايا عقلي لينغص على المشاهدة بلا شفقة.. وهذا ما حدث؛ لذلك قررت أخذ يومًا للراحة وأكتب بعدها ما استخلصت من رؤية شخصية نابعة من إتزان مفقود بعد مشاهدة العمل التلفزيوني..

أراك تسألني بلهفة خفيضة كما اعتدت منك ونصف ابتسامتك الخجول على وجهك:

– سيبك من خط الدراما والسرد بتاع القصص الأصلية.. رفعت نفسه.. عجبك؟

وفي هذا سوف أجيبك يا دكتور بما يعتمل في ضميري بكل أريحية.. الممثل أحمد أمين بلا شك ممثل جيد ويمتلك أدوات تجعله مقبولًا كـ”رفعت”.. ولكن لسبب ما لا يعلمه إلا الله.. رأيت منه رفعت مهزوز بشدة.. متناقض.. مرات تراه بائسًا محبطًا.. ومرات تراه مستسلمًا لتقريع أسرته بشكل فج.. وتارة تراه مذبذب لا يأبه لرد الفعل المناسب من الأساس..

هو رفعت بملامحه وسجائره التي لا تطفأ وصلعته وعويناته السميكة وشاربه التعس.. لكن ثمة رفعت آخر هنا يا دكتور.. رفعت يحاول أن يكون رفعت لكنه اجتهد في الإنصات إلى المخرج أكثر من الإغراق في تفاصيل رفعت الحقيقي كخفة الظل في المواقف بدون أي حوار.. أو مثل غروره الضئيل المدفون بين طيات كلماته.. أو ذعره الشديد!

أين الخوف على ملامح رفعت مريض القلب الذي –بعد ثلاثين عامًا صار لا يدهشه شيء- فليس من المفترض أن يكون رفعت بهذا الهدوء قبل أن يكتب سيرته الذاتية التي جعلته “غير آبه” على الإطلاق بما يراه..

رأيت رفعت إسماعيل الأربعيني الذي من المفترض أن يكون متقد الذكاء في قمة سخريته غير المؤذية.. لكنني رأيته يسخر من الآخرين بقسوة غريبة.. يتعامل بدون أطنان الكاريزما التي تنسكب من جنبات شخصيته والتي هي سلاحه الأول.. ولكنني ابتلعت أداء أحمد أمين بعد الحلقة الثانية ورأيته –للأمانة- أداءً قريبًا للغاية من رفعت لو استثنينا الإغراق المبالغ فيه في السلبية والنكد وطأطأة الرأس..

لم أر ابتسامة أمين -أو رفعت- طيلة الحلقات سوى مرورا نادرًا لا يلحظ.. وللحق توقعت ولو على الأقل مزحة واحدة بالـ”نياهاهاهاه” الشهيرة التي أعرف يقينًا أن لها صدى ضحكة العملاق الراحل “محمود عبد العزيز”..

و.. نعم؟ ماذا عن الرقيقة ماجي؟

دعني لا أكون قاسيًا..الفتاة ممثلة جيدة ولكن لعمري لا أرى أي داعٍ لإتقانها اللكنة الأسكتلندية الثقيلة الراء في أول حلقة ثم أراها تنطق الأمريكية بعد ذلك ببراعة!

لا تفسير عندي لذلك سوى أنها تأكل كثيرًا من (مكدونالدز) ظنًا منها أن الأسم -الأسماء الإسكتلندية تشتهر بماك في بدايتها.. مكبرايد.. مكماهون.. مكارثر إلخ- قد يساعد.. نياهاهاهاها حسنًا لم أستطع حبس المزحة..

ولكن لو تكلمنا بجدية لوهلة.. فالتجسيد مقبول من الفتاة باستثناء افتقادها للشعر الأشقر –ولا أدري لماذا خلط المخرج بين الشعر الأحمر الأيرلندي والأصفر الاسكتلندي–  وثقتها بنفسها ورقتها الشديدتين وعمليتها الشديدة كإمرأة أوروبية قوية.. كما أن..

ماذا؟ تسألني عن أداء باقي الممثلين.. عذرًا يا دكتور.. نسيت أن شخصيات قصصك بالأساس عادة شخصيات غير أساسية ولكنها مميزة.. وظننت أن أداء رئيفة أو رضا أو هويدا لم يؤثر كثيرًا في العمل باستثناء خدمة دراما عمرو سلامة المفرطة والبعيدة عن وصف أسرة رفعت الحقيقي-.. لكن للحق.. جاء أداء ممثل شخصية الأخ رضا غاية في الثبات.. وأداء هويدا غريب يختلف تمامًا عن هويدا الأصلية.. لكنه مقبول دراميًا بشكل كبير..

أما عن.. آه يا دكتور.. لماذا سألتي هذا السؤال القاسي الآن؟ تسألني عن المؤثرات البصرية والخدع بما أن المنتج سخيًا هذه المرة؟

إحم.. حسنًا دعني أتخلص من هذه الغصة واستعد لقذف بعض الماء البارد على الوجوه بكل استرخاء وبفم مليء بالجبن الرومي..

الأمر محبط لحد الكوميديا للأسف يا دكتور.. لماذا؟ حسنًا دعني فقط أشرح لك في البداية أن التصوير والديكور مواقع التصوير هم أبطال العمل الحقيقيون.. كادرات رائعة من فريق العمل.. بداية من تصميم مبهر لبيت قديم –وإن كنت لا أعرف لماذا يبني أحدهم في ريف مصر بيت بأبراج قوطية أو فيكتورية ولكن هذا ليس موضوعنا– وحتى ديكور القرية المصرية في نهاية الستينيات وملابس والأكسسوارات.. ولكن بيد أن الأمور في قسم المؤثرات البصرية والجرافيك لم تكن على ما يرام..

فلن أسامح أبدًا مقتبس العمل ومخرجه على الإزعاج البصري في مشاهد مثل مغامرة العساس –لعنة حارس الكهف- بداية من مشهد الطائرة الجرافيك البدائي فوق رمال ليبيا وحتى العساس ذاته الذي تأنق المخرج وتفتق ذهنه هو والمقتبس وجعلاه غوريلا!

برغم أنك وصفته بأنه مبهم الملامح وكان من الممكن أن يكون أكثر إبداعًا بما أنها قصة عربية خالصة ولكن تيمة “هادم الأساطير” أكلت عقل فريق العمل حرفيًا فكان لا بد من (مفيش عساس ولا بتاع دي غوريلا بتحمي طفلها!).. غوريلا تعسة تعيش في قلب الصحراء! وكأن قوانين بيئة الحيوان لا تنطبق على هذ الكائن الذي يستوطن الأدغال المشجرة لسبب هام بسيط ألا وهو: أن يأكل! عذرًا.. كان هذا صعب الابتلاع.. ناهيك عن الهضم..

دعك أيضًا من أنني لو بدأت التساؤل عن وجود أسرة من الغوريلا في كهف مغلق بالحجارة في شمال إفريقيا لمتّ غيظًا أو أصابني الفالج.. مع كل هذا، هذه الغوريلا التعسة جاء تنفيذها بدائي وواضح للغاية بأنه صنع في مدة قليلة لا تناسب جشع الوقت الذي يلزم تنفيذ جيد لأعمال الجرافيك المتقنة..

مصمصت شفتاي حسرة يا دكتور عندما تذكرت كيف صنع المخرج البارع Matt Reeves قردته في ثلاثية كوكب القرود الأخيرة.. ماذا؟ نعم.. نعم أعلم أن هناك فرق في الإمكانيات البصرية ويجب ألا أكون قاسيًا في الحكم على فريق العمل وأن ابتعد عنا ملايين السنوات الضوئية بيننا وبين هوليوود.. ولكن عذرًا يا دكتور.. المُشاهد اليوم صار رغما عنه عُرضة لإبهار أجنبي يضعه دائمًا في مقارنة إجبارية.. وإلا لماذا تشدقنا بأننا سننافس Stranger Things وDark إذا!

أعلم أنه العمل الأول والأفضل قادم وكل هذا الهراء الذي يضطر الجميع لقوله لتغطية أي خروق في الثوب..

أما عن المومياء الناهضة التي ظهرت في مجموع أقل من دقيقتين لا أكثر على الشاشة -وكان الاستثمار فيها لابد وأن يكون أقوى باعتبارنا مصريين ومن المفترض أن نكون أفضل من يصنع رعب لعنات المومياوات الغاضبة!– من بينهم وجه فقط دون جسد! فقد جاءت ضعيفة بصرية أيضًا ومبهمة لا تكفى أي نهم بصري لدى المشاهد.. خاصة مع المشاهد ذات الإضاءة المظللة والتلوين العادي جدًا الذي لا يوحي بحقبة زمن العمل.. يعني حلقة عن مومياء غاضبة.. بلا مومياء غاضبة..

بخلاف هذا خط السير كان حماسيًا وإن افتقد للإبهار المنتظر.. بيد أن سلامة أراد بشدة تفادي كليشيهات الرعب –المطر والرعد والكلوز على ملامح مرعبة منفرة أو مشوهة إلخ- فلم ينتج أي رعب على الإطلاق..

نعم؟ ماذا عن النداهة؟ أصدقك القول يا دكتور أن الحقلة كانت جيدة جدًا بصريًا.. وقد تكون هي الأفضل من حيث المؤثرات والتصوير.. واستثمار فكرة “غيطان القصب” كانت جيدة إلى حد ما.. حتى شبح النداهة على البحيرة كان مقبول بصريًا..

أنا آسف يبدو أنني أحبطتك يا دكتور.. حسنًا دعني أخبرك بشيء جيد.. شيراز ولعنة البيت كانت بداية جيدة وإن اختفت عناصر الرعب الكلاسيكي أو حتى المُبتكر.. لا زلنا على بعد آلاف الأميال من صناعة رعب “راق” .. لا تفهمني خطًا أرجوك يا دكتور.. فأنا لا أتحدث عن رعب James Wan وعوالم الرعب الغربي المليء بالـJump Scares  ولكنني أتحدث عن رعب الصدمة والقشعريرة وخفقة القلب الساقطة…الرعب الذي يقدمه Jordan Peele وAri Aster  وحتى Panos Cosmatos الرعب ذو الثيمة.. الذي يدخلك في عالم تلهث معه بمؤثرات بصرية وصوتية مبهرة فلو كنا سنتغاضى عن نقل القصص حرفيا أعني.. لن تنقل القصص ماشي.. لكن ابهرني بقى!

سامحنى يا دكتور.. بدا لي العمل “مصري جدًا” ولا أقصد الخصوصية الجغرافية.. بل أقصد “ضعف الإبهار”.. كان من الممكن تقديم أفضل بكثير لو تحدثنا عن ميزانية كبيرة من منصة عالمية.. أو ربما تصور آخر ومخرج آخر.. عذرًا عمرو سلامة.. هناك مخرجون آخرون قد يتقنوا فهم آليات الإثارة البصرية بشكل أفضل.. وكم كنت أتمنى أن يخرج مثلًا (كريم الشناوي) أحد الحلقات.. أو حتى (كريم العدل) أو (أحمد علاء).

وسامحني مرة أخرى يا دكتور فلن أتحدث عن الجاثوم وحلقته نهائيًا.. فقد أحبطتني أكثر مما أتحمل ولن يتحول كلامي سوى لسخرية تؤذي صناع العمل.. فقط سأقول شيئًا واحدًا.. سامحك الله يا عمرو سلامة.. أهذا هو الجاثوم؟ كنت سأتغاضى عن أي شيء في هذه الحلقة في مقابل تنفيذ بصري جيد للجاثوم وعالم الكوابيس.. ولكن.. جاء أشبه بحلقة مسلسل ألف ليلة وليلة من منتصف الألفينيات من إنتاج قطاع الإنتاج في التلفزيون المصري..

واسمح لي يا دكتور بصفتي هاويًا شغوفًا بعوالم الأدب والسينما بالقدر نفسه أن أقول لك مفاد رسالتي.. العمل تجسيد مقبول لعوالمك التي صنعتها.. هل هو أفضل ما يمكن تقديمه؟

لا.. بل كان هناك أفضل.. وكان من الأفضل بكثر لو لم نتشدق بـ”عالمية” المسلسل..  العمل ابتعد عن روح الروايات.. فقد تقبلنا هذا.. ولكن أن يكون غير مبهر.. لكم كان هذا محبطًا..

انتابني طيلة الوقت شعور غريب بالتعجل في صنع الحلقات..”طلسأة” بالمعنى العامي للكلمة.. فريق عمل يعمل تحت ضغط شديد لا يسمح لهم بالإبداع.. بل بتنفيذ جدول زمني ضيق.. مما نتج عنه عمل يبدو في ظاهره أنه عالمي مليء بالإبهار.. ولكن بداخله “نيء” لم ينضج سوى جزء منه على الحواف.. باستثناء أداء أحمد أمين في بعض المشاهد الهامة والذي قد يكون هو الداعم الوحيد لضعف العمل من حيث الإبهار..

تذكر يا دكتور أنني من جمهور عمرو سلامة وأرى أفكاره وأفلامه مختلفة بعض الشئ.. ولكن ماذا عن سلامة في عوالم الرعب؟ همم.. آسف يا عمرو.. العمل جيد كعمل مصري عادي لا إبهار فيه، بل أن فيلمك “زي النهاردة” أبهرني أكثر من حلقات العمل.. وفيلم مصور قتيل الذي كتبه عمرو كان أكثر إثارة بالنسبة لي من ما وراء الطبيعة..

عذرًا.. رأيت الحزن على وجهك الآن يا أستاذي.. سامحنى فلم أقصد إحباطك أبدًا.. دعني أخبرك أيضًا بما أراه جيدًا.. فبحكم كون عمرو مخرجًا دراميًا بارعًا فقد جاءت المعالجة للحظات الدراما الموازية –مثل موت الأخ ووداعه أو مشاهد المستشفى مع هويدا – قوية جدًا وتليق بعمل درامي جيد.. لكن ليس دراما الرعب..

كما أحب أن أثني وبشدة على الإضاءة –وليس التلوين- في بعض المشاهد واختيار الملابس والأكسسوارات والديكور.. جميعهم جاءوا في قمة العطاء البصري.. ولن يكون من العدل أبدًا وصف المسلسل بالسوء.. ولكنه في المتوسط –بدون أي مرجعية روائية– مقبول.. ولكن مقارنته بأعمال نتفليكس الأخرى من نفس الفئة سيكون أمرًا مخجلًا في الحقيقة وأناغير راض عن هذه المقارنة..

هل تراني ظالمًا أتحدث مثلي مثل كل الناقمين على العمل ومؤيدين للروايات؟ دعني أقول لك فقط لم أخلط نهائيًا بين القصص والمسلسل.. وأعرف أن عمرو سلامة صنع (قصة منفصلة متصلة) من قصاصات أفكارك ولم أعترض على هذا لأن خط السير الجديد مفهوم بالنسبة لي..

حاولت جاهدًا أن أرى العمل بعين الدراما البصرية وليس خيال القارئ .. ولكن رغمًا عنى لو أفلتت من فخ المقارنة بين العمل والروايات.. سأسقط في فخ “العمل المتقن” الذي يليق بأن يشاهده مثلًا مواطن آسيوي أو أوروبي –بلاش أمريكي- ويصفق له.. آسف يا دكتور.. اسمح لي أن أقول.. لن يصفق أحدا سوى صناع العمل والمستفيدين منه..

أما أحباؤك وأصدقاؤك المخلصين الذين انتظروا سنوات وسنوات –حتى بدون انتظار لنقل حرفي للقصص- فهم اليوم محبطون قليلًا.. خاصة لو كانوا من عشاق السينما وفن السرد البصري مثلما كنت يا دكتور.. ولكن دعني أختتم خطابي بأن أخبرك.. لقد كان من دواعي سروري أن أراى بصماتك في عمل بصري حتى وإن كان متوسط الجودة.. حتى وأن غطته آلاف البصمات القاسية الأخرى التي سرعان ما لطخت الشاشة أمامي تمامًا فصار كزجاج عكر “مبصّم” لا ترى من خلفه شيئًا.. واستمحيك عذرًا.. سأنسحب من التقييم الرقمي/10 هذه المرة لكي لا أجرح صناع العمل.. ولكن مع ابتسامتك الباهتة هذه.. أنت  تعلم الآن يا دكتور كم من عشرة سأعطي هذا العمل..

تلميذك وصديقك، جمال النشار.

القاهرة 2020م.

عن لأبعد مدى

مبادرة أدبية متخصصة، تأسست عام 2014م.