في أثر عنايات الزيات: غير صالح للمكتئبين

• كتبت: امتياز النحال- فلسطين.

أول تماس بيني وبين إيمان مرسال حدث في شهر نيسان عام ٢٠١٣ عندما قرأت ديوانها الشعري (ممر ضيق يصلح لتعلم الرقص). عثرت عليه بالصدفة وكنتُ أظن أنه ديوان خفيف يصلح كفاصل بين كتابين دسمين لكني فوجئت بأنه كتاب ثقيل جدًا جدًا؛ كان كل مقطع فيه وكأنه وتد دُق في خاصرتي بلا رحمة.

بعد هذا الديوان، شعرت وكأن هناك ارتباط روحي من نوعٍ غامض قد ربطني بهذه الشاعرة للأبد!

مرت السنون وفي عام ٢٠٢٠ فوجئت بصدور كتابها (في أثر عنايات الزيات)، وهنا فقط عادت ذاكرتي للوراء، لتلك الأيام والليالي التي قضيتها وروح عنايات الزيات تحوم حولي، ولا تتركني بسلام. كنتُ قد عثرت على خبر انتحارها بسبب رواية كتبتها في الستينيات ورفض دور النشر لنشرها في ذلك الوقت، وقد عادت فيما بعد وفاتها لنشرها وهي رواية (الحب والصمت).

بحثت عن الرواية وأي معلومات إضافية عن الكاتبة ولكني لم أعثر على أي شيء يذكر. عشر سنوات كاملة مرت على تلك الحادثة، كنت قد بدأت في ذلك الوقت أي عام ٢٠١٠ في مشروع بحث وتقصي عن الرائدات الفلسطينيات، وعثرت أثناء بحثي عن عنايات وقمت باسثناءها من البحث لأنها مصرية.

فرغت من الدراسة التي عكفت عليها ثلاث سنوات ونشرتها في يوم المرأة الفلسطينية في الثامن من آذار عام ٢٠١٣.

وفي أثناء إعادة ترتيب مكتبي بعد الفوضى التي حلت به ورغبتي في التخلص من مسودات الكتاب والأوراق غير اللازمة، عثرت على الأقصوصة التي تحمل اسم عنايات وروايتها، انتابني شعور غامض باليأس وصعوبة تقفي أثرها، شعرت بشغفي يخفت تجاهها دون مقدمات أو أسباب رغم أن طيفها لم يغب عن بالي، وقد حلمت عدة مرات بأني أقتفي أثرها وابحث في تراثها.

عزمت على فعل ذلك حال انتهائي من بحثي قيد الدراسة، لكن على ما يبدو أن طيفها قد ملَّ من انتظاري فغادرني دون رجعة ليسكن في بال ووجدان أخرى كانت أكثر حماسة مني وأكثر تقديرًا ونشاطًا.

قبل أن تغادرني عنايات عرفتني على إيمان من خلال ديوانها سابق الذكر والذي قرأته مباشرة بعد صدور كتابي بحوالي شهر حسب موقع الجودريدز الذي يحتفظ بتواريخ قراءة كل كتاب.

يا لها من مصادفة عجيبة، وكأنها رسالة من عنايات تقولي لي فيها:

– أقدم لكِ الحالمة الجديدة التي سوف تقتفي أثري من الآن فصاعدًا!

منذ صدور كتاب إيمان مرسال عن عنايات وأنا أتحرى شوقًا لقراءته، وأقتفي أثر كل من قرأه وكتب عنه مراجعة أو رأي في الصحف الورقية والإلكترونية، حتى جاء اليوم التي لمحت صورة غلاف الكتاب يظهر على جهاز الكيندل في صورة لإحدى الصديقات على الفيس بوك وقد أيقنت أنه قد أصبح متاحًا، شرعت بالبحث عن الرابط وحملت الكتاب وشرعت في قراءته.

بعد رحيل والدي في التاسع من يناير ٢٠٢١، دخلت في دوامة اكتئاب شديدة، حاولت جاهدة التخلص منها ولكنني فشلت، كنتُ اشعر بأني في حفرة وكلما حاولت الخروج منها سقطت فيها مرة أخرى.

اقترح زوجي عدة اقتراحات منها قراءة كتاب جيد وخفيف لكي يعدل من مزاجي الحاد. أثناء بحثي عن كتاب جيد وخفيف عثرت بالصدفة على (في أثر عنايات الزيات) وبدأت في القراءة، لم يكن أبدًا كتابًا خفيفًا بل ثقيل جدًا، لم يخرجني من دائرة الاكتئاب بل عمل بإخلاص على تضييق الدائرة حولي أكثر فأكثر.

ها أنا أقف أخيرًا وجهًا لوجه أمام عنايات الزيات بعد مرور عشرة سنوات على زيارتها الأولى لي. قلت في نفسي:

– يا ترى هل تشعر عنايات بالغضب تجاهي لأنني تخليت عنها ذات يوم عندما مزقت الأقصوصة وألقيت بها في سلة المهملات؟ هل التمست لي العذر؟ هل سامحتني؟ هل غفرت لي قلة حيلتي وضعف إمكانياتي ؟

طوال قرائتي للكتاب وأنا أشعر بالتماهي الشديد معها ومع الكاتبة وكأننا شخص واحد، روحٌ واحدة توزعت في ثلاثة أجساد!  تقاطعت مسارات حياتي بمساراتهن وتشابهت إلى الحد الذي أخافني وأفزعني حتى الموت! كنتُ خلال قراءة الكتاب اقرأ نفسي بوضوح بين السطور. أنهيته في جلستين متتاليتين وخرجت منه مُتعبة حد الموت ومُنهكة حد الوجع.

كان كتابًا مؤلمًا يشبه كثيرًا الحدث الجلل الذي أصابني في مقتل والذي حاولت تجاوزه بكل ما تبقى لي من طاقة وإرادة. لقد بدأت السنة الجديدة بداية مفجعة وحزينة جدًا برحيل والدي عن دنيانا، ولا أعلم صدقًا متى وكيف سوف أتقبل الوضع الجديد ومتى وكيف سوف أتقبل حياة لا وجود لأبي فيها.

نصيحة لوجه الله، لا تقرأ هذا الكتاب إذا كنت في حالة نفسية سيئة.