قاهر الزمن: توازن بين الفكرة العلمية والسرد المتماسك

• كتب: محمود عبد الشكور.

مفاجأة هذه الرواية، التي أعادت دار الكرمة إصدارها في طبعة جديدة، في أنها بالفعل رواية ناضجة ومحكمة، وكانت تستحق حفاوة أكبر بها وقت صدورها، إنها عمل فني ممتاز، بالإضافة إلى فكرتها المستقبلية المدهشة والجريئة، والتي تضعها في مكان الصدارة بين روايات الخيال العلمي الجيدة، وقد تحولت الرواية إلى فيلم عرض في العام 1987، هو آخر أفلام المخرج الكبير كمال الشيخ.

“قاهر الزمن” هو اسم الرواية والفيلم المقتبس عنها، ومؤلفها هو الراحل نهاد شريف، وأفضل ما فيها هو التوازن بين الفكرة العلمية، والتشويق السردي المتماسك، بما يذكرنا بكلاسيكيات روايات الخيال العلمي، ومقارنة سريعة بين بناء هذه الرواية، وبناء رواية قصيرة سبقتها في مجال الخيال العلمي هي “العنكبوت” للدكتور مصطفى محمود، تثبت لنا أن نهاد شريف سارد متمكن أكبر بكثير من مصطفى محمود.

يفضل نهاد أن يكتب بلغة جزلة تحافظ على الحوار الفصيح، ولكنه يعرف حرفة السرد، ويمكنه تقديم بناء متماسك، تتسلل في ثناياه الأفكار والخيالات العلمية، فلا تقتحمه أو تثقله أو تفسد حبكته.

الفكرة جسورة وشائكة، تتحايل على زمن الإنسان الفعلي بتبريده لشهور أو لسنوات، وإدخاله في حالة سبات، ثم فك التبريد عنه بعد ذلك، أي إيقاف الزمن، ثم استعادته، وبذلك يطول عمر الإنسان الفعلي، بالإضافة إلى مزايا التبريد من تجديد الأنسجة والخلايا، وحماية البشر من أخطار مثل الحروب النووية، وذلك بتجميدهم، ثم إعادتهم في زمن محدد، وهذا هو هاجس د. حليم صبرون الذي دفعه لتجميد البشر، فقد اعتقد في وجود كارثة نووية قادمة، فكانت تجاربه الغريبة، التي سيدونها الصحفي كامل، بعد أن عاش في فيلا الطبيب في قلب جبل المقطم.

أما البناء فهو ذكي ومشوق، فالتفاصيل كلها عثر عليها في أوراق قديمة، والسرد يبدأ موضوعيًا بتقديم الصحفي كامل الذي جاء أصلًا لكتابة دراسة علمية من خلال كتب مرصد حلوان، ثم لفتت نظره فيلا د. صبرون، ثم يتحول السرد إلى النظرة الذاتية من خلال أوراق سجلها كامل أثناء إقامته في الفيلا، وزمن الكتابة هو العام 1951، وهي من سنوات الحرب الباردة، التي تبرر مخاوف صبرون النووية.

يلعب السرد كله على فكرة الإكتشاف: اكتشافات صبرون لإمكانية التجميد، واكتشاف كامل الصحفي الفضولي لأسرار صبرون، واكتشافنا نحن لهذا الخيال المستقبلي، وخصوصا أن صاحب التجربة يبشر بعصر يسميه “عصر حليم” تحل فيه تكتولوجيا التبريد كل المشاكل، وتقضي على كل الأمراض، وإن كانت ستجعل هناك فوضى في الأعمار، وستخلق إنسانًا أنانيًا لا يهتم إلا بنفسه.

نحن إذن أمام إعادة تشكيل الزمن الذي يعيشه الإنسان، وهو أمر يحيلنا فورا إلى قصة أهل الكهف النائمين والعائدين، ولكن البطولة هنا للعلم وللعلماء، ورغم أن نهاد شريف يدين تجارب صبرون غير الأخلاقية على البشر المصابين في الحوادث، أو على البشر عمومًا، ورغم أنه ينهي روايته بانفجار الفيلا، وتدمير التجربة، إلا أنه يشيد دائمًا بطموح صبرون وذكائه ورغبته في إسعاد البشر، ويجعل الزمن يحتفظ بأوراقه، التي حاول فيها أن يقهر الزمن.

هنا ذكاء فني واضح، يدمر الفكرة ويحافظ عليها في نفس الوقت، يخبرنا السرد بنجاح التجميد، وإيقاف الزمن، واستعادته من جديد، ولكنه يجعل أجمل شخصيات القصة، وهي الفتاة الجميلة زين، أسيرة للزمن، غير معروفة المصير، ويبقي كامل معلقًا في منطقة من عرف ومن لم يعرف، ولا شك أن كل ذلك يدل على مهارة سارد يعرف كيف يعالج فكرته الشائكة، وكيف يمررها، وكيف يقدم أفكاره من خلالها، بصنعة فن متقنة.

عالج توفيق الحكيم قصة أهل الكهف في مسرحية عظيمة، وضع يده على مشكلة الإنسان وهي الزمن، لا شئ يهزم الزمن أبدًا، الحب وحده هو الذي يصمد، بينما ينهار عالم العائدين إلى الحياة، فيفضلون العودة للكهف.

أما نهاد شريف فيرى أن العلم يمكن مستقبلًا أن يوقف الزمن، فيحقق خلودًا افتراضيًا، إنها نظرة عملية تمامًا، وإن لم تخل أبدًا من نظرة رومانسية، في انتظار كامل الأبدي، للعثور على زين المتجمدة.

الفيلم المأخوذ عن الرواية بسيناريو وحوار أحمد عبد الوهاب قام يتكثيف الأحداث، وإقامة جسور بين الشخصيات، وانتصر أيضا لعصر جديد قادم، يحقق فيه العلم بالتبريد، حياة أخرى سعيدة، ولعلها كانت فكرة صادمة للجمهور على كل المستويات، وكانت بالتالي من أسباب فشل الفيلم.

♣ نقلًا عن صفحة الكاتب الشخصية على (فيسبوك).

عن لأبعد مدى

مبادرة أدبية متخصصة، تأسست عام 2014م.