كيفية خلق العالم طبقًا للأساطير النوردية

• كتب: نيل جايمان

• ترجمة: إسلام عماد

• تدقيق لغوي: رامي قطب

I

قبل بداية العالم، ساد العدم. لا وجود لأرض، ولا جنة، ولا نجوم، ولا حتى سماء. فقط عالم من الضباب بلا شكل أو هيئة، وعالم من النار المستعرة بلا توقف.

في الشمال تواجد عالم “نيفلهايم Niflheim” المظلم. ويمر أحد عشر نهرًا سامًا عبر الضباب، جميعهم نشأوا من بئر واحدة بمركز العالم حيث يتواجد النهر العنيف “فارجيلمير Hvergelmir”.

في “نيفلهايم” تنتشر البرودة القارسة، أكثر بردًا من أي شيء آخر، ويسود ضباب غامض يخفي كل شيء عن الأنظار، حتى السماء والأرض.

في الجنوب  تواجد عالم “موسبلهايم Muspell” الناري، حيث يتوهج كل شيء هناك محترقًا بنار لا تنتهي، لتعطي الحمم المنصهرة ضوءًا لامعًا بعكس  الضباب الرمادي لعالم “نيفلهايم” المتجمد دائمًا.

في “موسبلهايم” ينعدم وجود السماء والأرض الصلبة، لن تجد سوى لهيب مشتعل بحرارة تشبه لهيب نيران الحداد، لا شيء سوى الشرر والحرارة المنبعثة من انصهار الأحجار والجمر الملتهب.

في “موسبلهايم”، حيث تنتهي النيران، ويتحول الضباب إلى ضوء، وتنتهي حدود ذلك العالم. حينها تجد “سارتور Surtur” واقفًا، إنه “سارتور” المتواجد قبل مجيء الآلهة نفسها. يقف هناك الآن، ممسكًا بسيفه الحارق، فلا فارق لديه بين حمم متدفقة، أو ضباب متجمد.

يُقال إنه عند مجيء الراجناروك Ragnarok نهاية العالم، حينها فقط سيترك “سارتور” موضعه ليشهر سيفه الملتهب، ويحرق به العالم عن بكرة أبيه، وتتساقط أمامه الآلهة واحد تلو الآخر.

II

بين “موسبلهايم” و”نيفلهايم” كان عدمًا.. موضعًا خاليًا من كل شيء سوى الفراغ. سُمي ذلك المكان بـ”جينونجاجا Ginnungagap” أي الفوهة الفاغرة حيث عبرت خلالها أنهار عالم الضباب.

بمرور الوقت، وبعد فترة لا يمكن قياسها، بدأت تلك الأنهار السامة في التصلب بذلك الموضع الفارغ، لتصبح طبقات شاسعة من الجليد الرقيق. عمّ الضباب المتجمد والأمطار بمناطق الثلج الموجود بشمال الفراغ، ولكن بالمناطق الجنوبية، حيث اقتربت طبقات الجليد من أراضي النار، فتلاحما سويًا وتسببت الشرارات والجمرات الملتهبة برفقة الرياح الحارقة في جعل هواء وأراضي مناطق الجليد أكثر دفئًا ورطوبة كأيام الربيع الهادئة.

ظهرت الحياة من خلال الماء المتدفق من انصهار الجليد، في هيئة شخص أضخم من العوالم كلها، أضخم من أي عملاق كان أو سيكون. لم يكن هذا الشخص ذكرًا أو أنثى، ولكن كلاهما بنفس الوقت، هذا الشخص كان السلف الأول لجميع العمالقة، وسمّى نفسه بـ”يمير Ymir”.

لم يكن “يمير” الكائن الحي الوحيد الذي تكون من انصهار الجليد، بل كان هناك بقرة ضخمة بلا قرون، أضخم من قدرة العقل على التخيل. قامت تلك البقرة الضخمة بلعق كتل الجليد طلبًا للماء والطعام، ليتدفق بعدها اللبن من ضرعها كالأنهار، ومن ذلك اللبن اقتات “يمير” وحصل على غذائه، فنما جسده وتضخم، وقام بتسمية البقرة بـ”أودهوملا Audhumla”.

خرج البشر من مواضع لعق البقرة بلسانها الوردي لكتل الجليد، ولكن لم يخرجوا مرة واحدة، ففي اليوم الأول ظهر شعر الرجل، وبثاني يوم ظهرت رأسه، أما باليوم الثالث ظهر جسد الرجل بشكل كامل. هذا الرجل سيصبح “بوري Buri”، السلف الأول للآلهة.

نام “يمير” ، وأثناء نومه وُلد من إبطه الأيسر عملاق ذكر وعملاقة أنثى، وخرج عملاق بستة رؤوس من ساقيه، ومن هؤلاء الأبناء، يبدأ نسل جميع العماليق.

اختار “بوري” زوجته من هؤلاء العماليق، لتنجب له ابنًا أسماه “بور Bor”. تزوج “بور” من “بيستلا Bestla” ابنة أحد العماليق، وأنجبا ثلاثة أبناء، “أودين Odin “، “فيلي Vili” و”في Ve”.

بلغ أبناء “بور” الثلاثة مبلغ الرجال، وعبر سنوات نضجهم ظهرت أمامهم نيران “موسبلهايم” المستعرة بشكل دائم، وظلام “نيفلهايم” المستمر، ولكن ظلوا بمنأى عن كلا العالمين، لإدراكهم بموتهم المحتم إذا اقتربوا من أحدهما، فظلوا محتبسين بمنطقة “جينونجاجا” للأبد، حيث ساد العدم، بلا جنة أو أرض، مجرد هوة فارغة تنتظر وقتها المناسب لتمتلئ بالحياة.

وقتئذٍ، حان الوقت لبدء خلق كل شيء. نظر الإخوة الثلاثة لبعضهم البعض، وتناقشوا فيما احتاجوا لفعله لملء فراغ تلك الهوة الواسعة، امتد نقاشهم ليشمل خلق الكون والحياة والمستقبل.

قتل الإخوة الثلاثة العملاق “يمير”، توجب عليهم فعل ذلك، فلا طريقة أخري لخلق العوالم إلا بقتله. وهكذا كانت بداية كل الأشياء؛ لقد كان قتل “يمير” هو الموت الذي أفسح المجال لظهور جميع أشكال الحياة.

عندما طعنوا العملاق، تفجرت الدماء من جسده بكميات هائلة، نافورات المرة كمياه البحار، واستمرت في الاندفاع بقوة كمحيط هادر غاضب اجتاح كل ما في طريقه؛ ليغرق في أعماقه السحيقة جميع العمالقة.

لم ينجُ سوى عملاقين فقط، بيرجلمير Bergelmir حفيد يمير، وزوجته التي ظلت بجانبه في صندوق خشبي استكانوا بداخله كسفينة تحملهم عبر ذلك المحيط الدامي، جميع العماليق الذين نراهم ونخاف منهم الآن، جاءوا من نسل هذين الناجيين.

صنع أودين وإخوته تربة الأرض من لحم “يمير”، وتحولت عظامه إلى الجبال والمنحدرات؛ جميع الأحجار والصخور والرمال التي تراها جاءت من أسنان “يمير” وعظامه المطحونة بقبضة أودين وإخوته أثناء معركتهم المميتة مع “يمير”.

أما الشهب والنيازك التي تجوب السماوات، فهي الشرر المتطاير من لهيب “موسبلهايم”. ولكن السحب التي تراها نهارًا، فقد كانت يومًا ما جزءًا من عقل “يمير”، فمن يعلم الآن ما هي الأفكار التي جالت بخاطره وظلت موجودة حتى الآن أمامنا كسحب هادئة.

III

ما العالم إلا قرص مستوِ، يحيط به الماء من كل جانب. وعلى حواف العالم يحيا العمالقة، بجانب أكثر البحار عمقًا. ولكي يحافظ أودين وأخواه على بقاء العمالقة بعيدًا عن سائر المخلوقات، صنعوا جدارًا عظيمًا من رموش عيون “يمير”، ليحيط بمنطقة منتصف العالم، وأسموها بـ”ميدجارد Midgard”.

كانت “ميدجارد” أرضًا جميلة ، ولكنها خالية، حيث لم يخطُ أحد من قبل في مروجها الخضراء، أو اصطاد أسماكًا من مياهها الصافية، ولم يستكشف أحد جبالها، أو نظر منها إلى السماء وسحبها البيضاء.

أدرك الإخوة الثلاثة أن العالم ليس عالمًا طالما لم يسكنه أحد بعد. ارتحلوا بكل مكان، في أعالي الجبال وأعمق الوديان باحثين عن سكان للعالم، ولكنهم لم يجدوا أحدًا. في النهاية، وجدوا لوحين خشبيين ألقت بهما أمواج البحر بجانب إحدى الحواف الصخرية على الشاطئ.

اللوح الأول كان من خشب المُران، تمتاز شجرة المُران بالجمال والمرونة، وبجذورها العميقة في الأرض، وأخشابها قادرة على الانثناء بسهولة، فلا تنكسر ولا تتشقق، ولذلك تصلح لصنع مقابض الأدوات، أو مقابض الرماح والأسلحة.

اللوح الثاني من خشب الدردار، والذي كان على مقربة شديدة من الأول، حتى كادا يتلامسان. خشب الدردار يمتاز بالخفة والرشاقة، لكنه صلب بشكل كافٍ ليجعله صالحًا لصنع أقوى الألواح والعارضات، فيمكنك بناء منزل أو قاعة جيدة بواسطة خشب الدردار.

أخذ الآلهة اللوحين، ونصبوهما بشكل مستقيم في الرمال، فصارا بارتفاع شخصين واقفين. أمسك بهما أودين، ونفخ فيهما روح الحياة واحدًا تلو الآخر. وبعد أن كانا لوحين خشبيين ملقين على الشاطئ، صارا كائنين من الكائنات الحية.

أعطاهما “فيلي” قوة الإرادة، والذكاء والحركة، ليصبحوا قادرين على الرغبة والتحرك. ثم نحتهم “في” ليجعلهم بهيئة أجساد البشر، وصنع لهم آذانًا ليسمعوا بها، وعيونا يبصرون بها، وشفاها تخرج منها الكلمات.

وقف اللوحان على الشاطئ، بعد أن صارا بشريين عاريين، فحفر “في” بأحدهما أعضاءً ذكرية، وبالآخر أعضاءً أنثوية. صنع الإخوة الثلاثة ملابس للذكر والأنثى، ليستروا بها أجسادهم، وتمنحهم الدفء أثناء تعرضهم للجو البارد بشكل منعش، على ذلك الشاطئ الموجود بحافة العالم.

منح الإخوة الثلاثة آخر شيء لصنيعتهم البشرية الاسم؛ أطلقوا على الذكر اسم “أسك Ask” المأخوذ من شجر المُران Ash Tree، والأنثى أسموها “إيمبلا Embla” المأخوذة من شجر الدردار Elm Tree.

سيصبحان سويًا هما الأصل الذي أتينا جميعًا منه، وسيحمل كل إنسان الفضل لهما في وجوده ووجود أبويه وآبائهم وآباء الجميع. مهما عدنا للوراء في نسل أجدادنا، سننتهي بالعودة إلى “أسك” و”إيمبلا”.

مكث “أسك” و”إيمبلا” في “ميدجارد”، وعاشوا بأمان خلف الجدار المصنوع من رموش “يمير”. وفي “ميدجارد”، استطاعوا بناء منازلهم، ليبقوا بعيدًا عن العمالقة والوحوش وجميع الأخطار التي تنتظرهم في الأحراش المجهولة. في “ميدجارد” سيستطيعون تربية أبنائهم في سلام تام.

لذلك يسمى أودين بالأب الأكبر؛ لأنه كان أبا الآلهة، وهو من نفث روح الحياة في أجداد أجداد أجدادنا، وسواء كنا آلهة أو بشرا فانين، فسيكون أودين هو أبانا جميعًا.

• من كتاب (الأساطير النوردية).