ركن الياسمين: وزعنا حوالي 3000 كتاب مجانًا

♣ كتبت: ياسمين أسامة الجندي.

ست سنوات مضت على  تأسيس “رُكن الياسمين” وبدء فعالياته وأنشطته التثقيفية. ست سنوات تكوّنت فيهم مجموعة، اختاروا أن يصيروا أصدقاء وأهلًا. فأطلقوا على أنفسهم “أهل وناس ركن الياسمين”. لطالما اعتبرت وجود كيان “رٌكن الياسمين” حلقة من سلسلة من “الإنجازات الصغيرة”. شاركني فيها العديد ممن صاروا بمثابة عائلة لي. نتشارك سويًا لحظات الحزن والمواساة قبل لحظات الاحتفال والفرح.

لكن كيف بدأت القصة؟ دعوني أعود بكم عدة سنوات للوراء. وأعدكم بألا أُطيل عليكم.

حلمت منذ طفولتي بإنشاء كيان ثقافي كبير، يضم نشاط الصالونات الثقافية التي أسمع عنها من جدي وأفتقدها. بدأت رحلة تنقلي بين أنشطة متعددة في سنوات الجامعة. إلا أن أيا منهم لم يٌكتب له الاستمرار. هذا بجانب تفضيل أغلب القائمين على تلك الأنشطة لانعقادها في نطاق جغرافي واحد تقريبًا. فماذا عن باقي الأحياء؟ باقي المحافظات؟

في أكتوبر 2014، قررت أن أبدأ خطوة صغيرة لعلها تزيدني قربًا من حلمي. فلا داعي أن أنتظر كي أزداد خبرة أو أدخر مالًا يكفي لإنشاء مركزًا ثقافيًا يضم كل ما حلمت به. أعلنت عبر صفحتي الشخصية على الفيسبوك عن رغبتي في بدء نشاط لنادي كتاب. نشاط شهري لمناقشة كتاب نتفق مسبقا عليه. على أن نتجمّع في إحدى المكتبات أو الحدائق أو حتى مساحات العمل المشتركة. وقد كان.

لم أتوقع أبدأ حضور عدد ضخم أو حتى أن يتحمّس للفكرة أحد. عقدت العزم أن أقيم تلك المناقشة ولو بحضور شخص واحد. ذهبت يومها؛ آملة في مشاركة صديقتي التي تحمست وأبدت رغبة في الحضور. لكن وللمفاجأة، حضر ما يقرب من ستة أشخاص غيري. وهكذا وُلد نشاط “نادي كتاب ركن الياسمين”.

مرت السنوات واتسعت دائرة تأثيرنا. زاد عددنا، وبالتبعية، زادت مساحة اقتراحات إضافة أنشطة أو تحسين أنشطة قائمة. النشاط الواحد صار ستة. ما بين المناقشات الشهرية، تحديات القراءة، ورش العمل، الندوات المتنوعة، الأنشطة اليدوية، مناقشات الأفلام، وحملات التبرع بالكتب. وصار هناك متطوع من داخل مجتمع “ركن الياسمين” مسئول عن متابعة نشاط بعينه بشكل دوري.

في الأسبوع الثالث من أكتوبر، نحتفل سويًا بما حققناه على مدار رحلتنا. نحتفل بمناقشة 58 كتابًا متنوعًا ما بين الأدب والتاريخ وعلم النفس والسيرة الذاتية والرواية والقصص القصيرة وكتب التنمية الذاتية. نحتفل بتنظيم وإدارة 67 مناقشة وندوة، واستضافة 17 كاتب وناقد. بل وصرنا نتعاون مع مؤسسات أخرى في تنظيم فعاليات ثقافية وفنية لأعضائها.

نحتفل بتوزيع ما يقرب من 3000 كتاب مجانًا على دور أيتام ومستشفيات عامة وخاصة، جامعات ومراكز الثقافة، ومراكز شباب ومبادرات مجتمعية. منهم عدد في الدلتا والصعيد.

أصبح “ركن الياسمين” وأعضاءه من الفاعلين في المشهد الثقافي، وحاضرين في المناسبات الثقافية الهامة. شاركنا من قبل في إحدى الندوات المقامة على هامش فعاليات “معرض الكتاب 2018″، وتم تكريمنا عن نشاط “نادي الكتاب” من صالون نجيب الثقافي. بل وامتد تأثيرنا للدول العربية، فأصبح لدينا مشتركين وحضور لمناقشاتنا الأونلاين من اليمن وسوريا، والكويت والمغرب، والإمارات والسعودية.

أتذكر جيدًا وقت البدايات، قيل لي أكثر من مرة:

– لن تصلِ بهذا لشيء. لا أحد يعرفكم، أنتم مجرد مجموعة من الهواة ليس بينكم كاتب مشهور، ولا تحظوا بدعم دار نشر كبيرة أو مؤسسة حكومية.

قيل أيضًا:

– الاشتغال بالثقافة أمر غير مجدي، لن تحققوا نتائج أبدًا.. بمرور الوقت ستمّلوا الحدوتة.”

أستطيع الآن أن أؤكد لهم، أن ما تحقق لا يُمكن اعتباره إنجازًا فرديًا أبدًا. هذا المشروع نتاج أحلام ومقترحات كل الأعضاء. حاصل شغف وتعب كل فرد من “أهل وناس ركن الياسمين”، فهناك من يساعد في تنظيم ندوة، وآخر يتولى مسئولية إدارة مناقشة، وهذه تدعو كاتب معين، وأخرى تقوم بعمل خطة لمنشورات صفحتنا على الفيسبوك، وغيرهم الكثيرين.

هذا بجانب مساندة عدة مكتبات ودور نشر وكُتّاب ومؤلفين ونقاد وصحفيين. آمنوا بالفكرة وصدقوا حلمنا.

وشأن كل عائلة، مررنا بتجربة الفقد.

ففي عامنا الماضي، فقدنا اثنين من العائلة. في ديسمبر الماضي رحل عنا أ. محمد طه. كان رجلًا باشًا، مُحبًا للجميع، داعمًا لنا في كل المراحل. كان شغوفا بالتاريخ والتراث، يحب الاشتراك في جولات لزيارة الأماكن التاريخية والتراثية. كان عاشقًا لكتبه ومكتبته، فرغبنا في أن نصون إرثه الضخم، لعلنا بهذا نُخلّد ذكراه بأكثر ما أحب. تواصلت مع ابنته، ومشكورة ساعدتنا على التبرع بمكتبته التي ضمّت ما يزيد عن 700 كتاب لمكتبة مدينة الطلبة بمحافظة الجيزة، وذلك بالتعاون من أ. هند حليم نائب محافظ الجيزة، وعضو مؤسس بنشاط نادي الكتاب.

لم نكد قد تماسكنا بعد فراق أ. محمد أو حتى تأقلمنا؛ حتى باغتنا رحيل أ. لبنى زيتون.  أو كما كانت تحب أن نناديها.. لبنى. رحلت عنا لبنى مُحدثة صدمة وألم عظيم. لبنى كانت بمثابة مشروع ثقافي متحرك. لم تدّخر جهدًا لدعم أي مبادرة ثقافية تسمع عنها. لها نشاط ثقافي امتد لسنوات طوال. يعرفها جميع القراء والكتّاب. كانت مصدرًا لإلهام وتشجيع لنا جميعًا. اعتبرناها أختا وصديقة رُغم فارق السن بيننا. عزمنا أن نحتفي بسيرتها على طريقتنا. فشخصية مثلها يجب أن يعرفها الجميع ويتخذونها نموذجًا في اتباع الشغف.

أطلقنا حملة لتجميع الكتب لنُهديها لأكثر من مكان، فيحمل كل ركن من الكتب المُهداة اسمها. شارك بالحملة العديد من القراء والكُتاب. بدأنا بالفعل “ركن لبنى زيتون للقراءة” في مدينة 15 مايو بإشراف من زميلتنا منة الله عزوز. وقريبًا نُعلن عن الانتهاء من تجهيز ركن قراءة آخر بمحافظة الجيزة. كما نخاطب جهات أخرى لاستكمال خطتنا.

وعلى الرُغم من حزننا لفراقهما، إلا أننا ندرك جيدًا أنهما يرغبان باستكمالنا النشاط، بل ويشجعانا على التوسع في خططنا.

فبماذا أحلم الآن؟

أحلم بمركز ثقافي يحمل اسمنا في كل محافظات مصر، منارة ثقافية  تستضيف الفنانين والمثقفين في حوارات مفتوحة مع الجمهور. أحلم بإقامة ندوات وحلقات نقاشية في كل القرى. أحلم بإقامة فعاليات فنية يشارك فيها كل فرد. أؤمن بضرورة تحقيق مبدأ العدالة الثقافية وإتاحة المحتوى الثقافي لكل إنسان، أيا كان موقعه أو قدراته المادية. أحلم بإنشاء دار نشر وترجمة تساهم في إثراء المحتوى وإتاحته بعدة طبعات تناسب ظروف كل قارئ. أحلم بطبعات بطريقة برايل للمكفوفين، ونقل فعالياتنا بلغة الإشارة للصم والبكم. أحلام كثيرة أؤمن بقرب تحقيقها. لا أسعى إلى نتائج فورية، وأدرك أن الأمر يحتاج وقتا وخبرة.

كما أن القدر رتب لي عدة أمور أثقلتني. فقد شرفت باختياري عضوًا في إدارة المؤتمرات الوطنية للشباب منذ انطلاقها. ولعل أبرز ما ميّز أول مؤتمر على الإطلاق، هو إقامة فعاليات صالون ثقافي على مدار 3 أيام. كانت تجربة ملهمة وثرية. فما بين متشكك في اهتمام الشباب بمثل هذه النشاطات، وآخر لا يرى مكانًا أصلًا لمناقشات الكتب والندوات في مؤتمر كهذا. لكن قائدي وثق بي.

شهد الصالون الثقافي نقاشات متنوعة، ومتحدثين من الشباب والوزراء والكُتاب والفنانين. كان هذا الصالون بمثابة اختبار صعب وشهادة نجاح لي ولفريقي. أن أضع جدولًا لثلاثة أيام، وأُنسق بين المتحدثين ومديري الجلسات، بل وأدير جلستين بنفسي. أنا الشابة ذات ال25 عامًا مسئولة عن قاعة امتلأت في كل جلساتها بشباب من مختلف المحافظات. وحققت الفكرة نجاحًا طيبًا.

استمر عملي بالمؤتمرات وصرت معنية بكل ما هو فني/ ثقافي كجزء من مهامي؛ حتى جاء التحدي الأصعب والأروع. إقامة مسرح لشباب العالم على هامش فعاليات منتدى شباب العالم. كُلفت بالملف بمجرد طرح الفكرة. عروض فنية من كل البلدان على مدار ثلاثة أيام. وحفل افتتاح للمسرح يحضره السيد رئيس الجمهورية، ووفود رفيعة المستوى عربية وأجنبية.

كوَنت فريقا لوضع التصور لفقرات تضم شبابًا من مختلف أنحاء العالم، بلغات وثقافات مختلفة. خلقنا منصة يتهافت عليها شباب الفنانيين لعرض رؤاهم وأفكارهم من خلال عروض فنية متنوعة. تمثيل وغناء وعزف ورقص فلكلوري، رسم بالنور والرمال ورقص الظل.

على مدار نسختي المسرح، شارك معنا أكثر من 200 مشترك في عروض عكست ثقافات القارات كلها. لم تكن مجرد فقرات ترفيهية، وإنما عروضا تعكس مضمون جلسات المنتدى. فإذا ناقشنا قضية دمج ذوي الاحتياجات الخاصة، تجد أكثر من عرض لفنانين منهم. وحينما نتطرّق لفكرة أن الفنون تعبر حاجز اللغة، تجد عرضًا مسرحيًا يتحدث فيه الأبطال سويًا، كل بلغته. والأمثلة كثيرة. كان شعارنا في نسخة المسرح 2019: “الفنون.. إحياء للإنسانية”. وهو ما أؤمن به تمامًا.

الآن، أدرك تماما أن الاشتغال بالثقافة أمر مُجدي، وأنه واجبنا أن نجعلها متاحة. فالنفس البشرية بفطرتها تواقة للجمال. أؤمن بأن الفنون والآداب هما السبيل الوحيد الآمن لإيصال الرسالة، لإذابة الفوارق، ولإحياء الإنسانية.

وفي الختام، الشكر موصول لكل من اعتبر “ركن الياسمين” مشروعه الشخصي، وآمن وساعد بكل طاقته، فأصبح عضوًا فاعلًا. ربما لن يُسعفني حجم المقال في هذا، وربما يُذكركم هذا بالإهداءات التي نسمعها على الراديو، إلا أن الشكر واجب لأبي وأمي وزوجي وباقي أسرتي الحقيقية، ولأهلي في ركن الياسمين؛ ومنهم دعاء ونشوى ومصطفى ومصطفى ومي ومنة وحسام وحسام ورضوى ويسري وإسلام ووجدي ومهاب وإبراهيم وهبة ومي ونانسي وأمينة ومروة وأميرة ودعاء وليلى ويوسف ومنى وأيمن ورهام…. إلى آخر القائمة.

كما أشكر قائدي، من آمن بي في بادئ الأمر، فكلفني بتلك المهام التي مكنتني من المشاركة في إبراز صورة مصر، كحاضنة للفنون والحضارات أمام شباب العالم كله.

– شكر خاص جدا للسبب وراء كتابة هذا المقال.. الداعم دائمًا أبدًا.. منذ بدأت الحكاية سامح فايز.

عن لأبعد مدى

مبادرة أدبية متخصصة، تأسست عام 2014م.