2- مراجعة (أسطورة النداهة)

• كتب: رايفين فرجاني.

في سلسلة من المقالات نتناول جميع روايات وقصص سلسلة ما وراء الطبيعة، سلسلة روايات الرعب الأولى والأشهر في العالم العربي، والتي خطها أشهر كاتب في هذا المجال، وقد سمي العراب لمكانته في أدب الرعب، أحمد خالد توفيق. وقد تناولنا بالفعل الرواية الأولى ومقدمة عن السلسلة في المراجعة السابقة.

• الفكرة:

الرواية هي أول تناول –في حدود علمي وقراءاتي- لشخصية النداهة في أدب الرعب، وثاني تناول في الأدب العربي عموما بعد رمزية النداهة في رواية يوسف إدريس. وقد حظى أحمد خالد توفيق بالأسبقية في العديد من تيمات وشخصيات الرعب العربية والغربية في العالم العربي.

وتم استغلال اسم الرواية “النداهة” لاحقًا في أعمال عربية أخرى من أدب الرعب، من قبل عدد من الأسماء المتأثرة بالعرّاب، مثل خالد المهدي وأمل محمد منشاوي وغيرهم.

هذا أدبيًا، وقد تم تناولها إذاعيًا من قبل أحمد يونس ومحمد جويلي في حلقاتهم المسلسلة. وتلفزيونيًا في مسلسل أبواب الخوف ثم مسلسل ما وراء الطبيعة المقتبس عن السلسلة.

• هادم الأساطير:

في جميع قصص الروايات الأولى تعرض شخصية رفعت إسماعيل والأحداث التي يعايشها في ظل مفهوم هادم الأساطير. وهم عشر روايات، مع احتساب العدد الأول كرواية واحدة بالرغم من كونه يحمل يحمل روايتين قصيرتين جدًا. واحتساب العدد الأخير –أيضًا- كرواية واحدة رغم كونه عدة قصص قصيرة.

أما عن مفهوم هادم الأساطير فهي صفة ستكون لصيقة بالشخصية الرئيسية -رفعت إسماعيل- خلال أحداث الروايات العشرة الأولى من السلسلة، وذلك نظرا لكونها قضايا ماورائية تنكشف عن كونها أحداث عادية تم تلفيق صفة الخوارقية عليها. عدا ثلاث مواجهات نتطرق إلى كل واحدة منها على حدة في موضعها.

أفرد الكاتب لاحقًا كتابًا بعنوان هادم الأساطير يقدم خلاله نقدًا للأساطير التي اعتبرت حقائق.

• الحبكة:

زيارة الطبيب رفعت إسماعيل لعائلته في إحدى قرى محافظة الشرقية -قرية كفر بدر القريبة من قرية فاقوس- تتحول إلى مأساة عائلية بوقوع أحد أفراد العائلة -رضا شقيق رفعت- ضحية للجنية المعروفة والمسيطرة على ليالي وحقول الأرياف المصرية “النداهة”.

تنقل رائع بين الريف الإنجليزي ومصاص الدماء والريف الروماني والرجل الذئب والريف المصري والنداهة في حبكة أكثر تماسكًا من الرواية الأولى وتوازيها في الجودة -أقصد مصاص الدماء وليس الذئب- بالرغم من نهايتها الضعيفة، حيث كانت عاطفة المرأة عاملًا في فك مشكلة القصة. وهي عاطفة أصلًا غير مبررة ولا ممهد لها في سياق القصة خاصة وذلك الانفلات العقلي إلا في جانب محاكاة الأسطورة.

جدير بالذكر أن فكرة محاكاة الأسطورة ستظل عالقة في ذهن الكاتب وسيستخدمها لاحقًا حتى بعد تجاوز سلسلة هادم الأساطير إلى سلسلة صائد الأشباح.

• الإيقاع:

هذه واحدة من الروايات الأكثر رعبًا في السلسلة، ذلك الرعب نتج عن عدد من العوامل:

– أولًا: أنها أول رواية تستحضر شخصية مرعبة من التراث العربي لتطل علينا من منصة الوحش مع ما تحمله من خلفية كابوسية عالقة في المخيلة العربية. ويحسب للكاتب ابتكاره لحبكة القصة دون الاستعارة أو الأخذ من القصص المحكية عن الشخصية.

– ثانيًا: أنها تنتمي أدبيًا إلى نوع الرواية القصيرة، وذلك ساعد في تكثيف الأحداث داخل قصة جيدة.

– ثالثًا: خلق الكاتب أجواء نفسية تجمع بين الحميمية والكابوسية، وقد زادت الأولى من قتامة الثانية. خاصة وأن الثانية ليست مبنية على مسرح ذهن فرد واحد عندما يسترجع رفعت ذكريات طفولته المرعبة وحكايات الجدات عن الجنيات وعلى رأسهم النداهة، بل يتشارك الرعب منه ومعه وعيًا جمعيًا وتراثًا فلكلوريًا.

– رابعًا: اتبعت الرواية نفس خطوط الحبكة البوليسية ذات الغوامض المخيفة والاحتمالات المنطقية -طرح احتمالية مرض السعار- أو حتى الممنطقة التي ستصير مكررة في الأعداد اللاحقة من سلسلة هادم الأساطير.

– خامسًا: المواجهة بين العقل والأسطورة قبيل الوصول إلى حل اللغز، رغم أنه قد تكشف في منتصف الرواية تقريبًا.

– سادسًا: تيمة النداء الحاضرة بقوة والباعثة للفزع في أدب الرعب، وأشهر رواية تناولت هذه التيمة هي نداء كتولو لعميد أدب الرعب هوراد فيليب لافكرافت التي ترجمها أحمد خالد توفيق في سلسلة روايات عالمية للجيب.

– سابعًا: صنع مسافة بين سماع النداء ووقوع القضاء بأن حور الكاتب في الأسطورة وضاعف مرات النداء من مرة إلى مرتين لتوزيعها على مراحل. مرحلة الجنون، ثم مرحلة الرحيل.

– ثامنًا: أسلوب الكاتب الذي تجلى فيه براعته في استخدام تقنيتين سوف يلزماه في العديد من الروايات اللاحقة -توظيف الأغاني وتداعي الكلمات- في كامل رونقهما وبكل ما يبث من رعب ناتج عن أبيات الشعر:

فين الولد يامه؟  

قالت: نسي أهله

فات البلد لما  

الغولة نادت له

فين الولد يا ولاد؟  

قالوا الولد مسحور

سافر وراها بلاد  

وآدي السنين بتدور

• الشخصيات:

– النداهة:

في سلسلة هادم الأساطير، أكثر ثلاث شخصيات بارزة هي حارسي القبر والكهف، وبالطبع النداهة. النداهة هي شخصية خيالية مرعبة من التراث العربي، وهي خيار ذكي من الكاتب أن أتى بها في العدد الثاني، في فترة مبكرة من مسيرة السلسلة، حتى ينجي سلسلته التي في بدايتها من أن توصم بتهمة التغريب، أي النقل والنسخ عن الغرب.

النداهة هي غولة تقطن في الريف المصري وترعب سكان القرى هناك، وتتغذى على رجالها، حيث تظهر لهم ليلًا وهم يسيرون وحدهم في ظلمات الحقول في صورة إمرأة حسناء بلغت من الجمال مبلغه، ذات صوت أخاذ يذهب بالعقول، تنادي -ومن هنا أتى اسمها- على الرجل فيترك حاله وماله وعياله ليرتمي في أحضانها، حتى أنه قد تناديه وهو قابع في قلب داره بين ناسه وأحبابه.

عندما يستجيب لها، قيل أن مصيره واحد من إثنين؛ إما أنها تسحبه في النهر ليكون زوجها ويسكن معها، غالبًا تقتله حتى تعيش روحه في صحبتها مدة طويلة. وإما أنه وهو بين ذراعيها تكشر له عن أنيابها وتلتهمه فلا يتبقى منه شيء.

سوف يستحضرها الكاتب مرة أخرى في قصص لاحقة من السلسلة، ولكن بصور أخرى مثل الحطمة والمزييرة. والشخصية لها صور عديدة بشخصيات مختلفة في بقاع العالم العربي مثل عيشة قنديشة في المغرب وبلاد المغرب وأم الصبيان في اليمن والخليج العربي، وأم حمار في السعودية والبحرين، وغيرها من التشكلات مثل الثقوبة والسعلاة (السلعوة) والغولة والجنية وأم الدويس، وحتى في بلاد الغرب مثل السيدة البيضاء في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وهولندا وأيرلندا وبلجيكا وأمريكا، وآنيس السوداء في بريطانيا، وماري الدموية في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وأمريكا وبانشي في أيرلندا، وبابا ياغا في روسيا، وبين نيجه في أسكتلندا، وحوريات البحر في اليونان، وذات الفم الممزق في اليابان.

– عائلة رفعت:

والمكونة من أمه -أبوه متوفي- وشقيقه رضا وشقيقته رئيفة، وزوجة أخيه نجاة وزوج أخته طلعت. جدير بالذكر أن رضا ورئيفة هي شخصيات غير ذات أهمية في السلسلة، إلا أن كتاب مسلسل ما وراء الطبيعة نجحوا في معالجتهما تلفزيونيًا وإصقالها دراميًا، وربطهما بشخصية طلعت وشخصية هويدا التي لم تذكر في هذه الرواية.

– رفعت إسماعيل:

انظر رفعت إسماعيل في المراجعة السابقة، مصاص الدماء.

– الشرير المعتوه:

هو شخص أراد صنع إنسانًا خارقًا معصومًا من الضرر ليوظف الأسطورة الشعبية في استغلال الفلاحين الجهلة وخطفهم كأن النداهة خطفتهم وإجراء التجارب عليهم. ثم عواطف التي تحركها عواطفها البلهاء.

عن لأبعد مدى

مبادرة أدبية متخصصة، تأسست عام 2014م.