عن (مسافر الكنبة في إيران)

• كتب: أحمد كفافي.

قليل من شبابنا الكُتّاب من يهتم بسبر أغوار أدب الرحـلات، الذي تتضاءل إصداراته مقابل الشعـر والرواية والقصة القصيرة. إذ أذكر الكُتاب، أشدد على الشباب؛ لأنه من المفترض أن يكون لديهم من الطاقة والصحة والحماس للسفر والتنقل وتسجيل ملاحظاتهم ورؤاهم عن تلك الأسفار والرحلات.

فلماذا لا نرى منهم إقبالًا على هذا النوع من الأدب وهو يكاد يشح لو قارناه بما كتب في الماضي؟! ربما صادفت إصدارًا أو اثنين عن بلاد نعرف الكثير عنها من خلال الميديا كالولايات المتحدة وفرنسا. لكنني أود أن أشيد في هذا المضمار بإصدار جديد نوعًا ما أعتقد أن له عظيم الفضل في كسر المألوف.

(عمرو بدوى) يشغل منصب مدير استثمار في شركــة إقليمية لإنتاج البترول والغاز الطبيعي، وأضع ألف خط على منصبه؛ لأنه رغم ما قد تتيحه له وظيفته من دخل -والله أعلم- فإنه استطاع أن يجوب إيران بأقل من عشـرة دولارات فى اليوم.

يعاونه في ذلك موقع:

www.couchsurfing.org

ودليل:

www.lonelyplanet.com

وقد استخدم نفس الدليل عند سفره إلى إيران وبلاد أخرى، فهو دليل سفر مثالي لأكثر من مائتي بلد حول العالم، يمنحك أسماء أرخص الفنادق والمطاعم والتفاصيل المتعلقة بالطرق المثلى لزيارة المواقع السياحية في القرى والمدن الكبرى. علاوة على نبـذات تاريخيـة عن البلـد محل الزيـارة وطبيعة الشعب وأسلوب حياته والمخاطر والمحظورات التي يجب على المسافر تجنبها.

للأسف لا يوجد نسخة عربية للدليل -أو أحسب ذلك- والسبب وجيه: فليس هناك رحالة عرب بالعدد الكافي لتحمل تكلفة نسخة عربية منه، كما أنه -والله أعلم- قد لا يتلاءم مع وجه نظر المسافر العربي، فما أحوجنا إلى رحالة ومسافرين متمرسين يجوبون بلاد العالم بغرض تدشين دليل سياحي عربي على غرار (اللونلي بلانت) وغيره من أدلة السفر الغربية!

أرى أن كتابا كـ ( مسافر الكنبة) يمكن بمجهودات بسيطة أن يتحول إلى نواة لهذا الدليل.. فماذا لو أصبح لدينا دليل عربي لكوريا وفيتنام والصين وسيرلانكا والمالديف وغيرها من البلاد شبه المجهولة للمواطن المصري؟

أما موقع ( كوتش سيرفنج)، فكلمة ( كوتش) تعنى الكنبة، و(سيرفنج) ركوب الأمواج، والمصطلح بأكلمه يعنى اكتشاف البلاد عن طريق توفير إقامة المبيت بالنوم على كنبة أو مرتبة يمنحها لك أحد أهالي البلد محل الزيارة فى بيته أو بدرومه أو بيت أحد معارفه أو أقاربه. كل ما عليك أن تسجل اسمك ومعلوماتـك لتقـابل العديـد مـن مسافـري الكنبـــة ليمنحونك مبيتًا وتمنحهم مبيتًا في أي مكان يتبعك.

ليس في الموضوع إجبار، كل ما عليك أن تحاول أن تفعل شيئًا لتسهيل مهمة المسافر سواء منحته إقامة في منزلك أو منزل أحد أصدقائك في مدة تحددها أنت حسب ظروفك. من المؤكد أنك يجب أن تكون عضوًا جوالًا فتصبح لديك الفرصة للتواصل ومقابلة الأعضاء الآخرين. طبعًا قد يعتري البعض القلق من استضافة غريب على حد قول الكاتب ولكن لا تحدث الاستضافة إلا بعد توصيات عدة من أعضاء سفر الكنبة للمسافر العابر.

يقول بدوى:

– قابلت من خلال (الكوتش سيرفنج) مسافرين لمدد تتراوح بين عدة أيام وعدة سنوات، نعم عدة سنوات. أنهى أحدهم دراسته وقرر السفر لمدة عام قبل البدء في البحث عن وظيفة.. عاشقان قررا السفر لمدة عامين قبل إتمام زواجهما وافتتاح مطعم في بلدهما بعد تجميع وصفات طعام من جميع أنحاء العالم.. كان هناك رحالة مغامرون بكل ما تحمله الكلمة من معنى..  شاب هولندي سافر من بلده إلى اليابان على دراجة في أحد عشر شهرًا وأمضـى عامين على الدراجة يجوب باقي آسيا.. شاب أمريكي سافر من جنوب إفريقيا في 543 يومًا، مستخدمًا السيارة وأحيانًا الدراجة وجدف في بحيرة تنجانيقا. مغامراتهم فتحت في عقلي آفاقا غير محدودة للمغامرة.

أرى أن الكنبة قد تكون الوسيلة المثلى للشباب بين العشرين والأربعين، طبعًا كل يعتمد على قدر الحماس والطاقة ولكن هذا لا يمنع أن تكون هناك وسائل أخرى غير الكنبة لمن تعدوا مرحلة الشباب، فقد أخبرتني سائحة بريطانية عن وسيلة أكثر ملائمة للعائلات وهى تبادل السكن:

www.homeexchange.com

يتيح الموقع لك أن تستبدل بيتك ببيت آخر له نفس مواصفات منزلك في بلد ترغب في زيارته، فلو كان لديك مثلًا شقة في الإسكندرية فيمكنك منحها لسائح يملك سكنًا بنفس المواصفات في برشلونة، فيستخدم كل منكما ما عند الآخر في فترة الذروة، أو أي وقت يتفق عليه الطرفان.

علينا أن نستغل هذا الزخم السياحي في مصـر والعالم، فلقد لاحظتُ -من خلال تغطياتي الصحفية في مجال السفر- صحوة سياحية من جانب الشباب خاصة بعد تعطل السياحة الخارجية، لكن ما يميزها هو ذلك النهم للاستكشاف والترحال؛ فلاحت في الأفق أنواع جديدة من النشاطات الاستكشافية مثل سياحة مشاهدة الطيور وسياحة مسافر الشنطة الذي يجوب البلاد سيرًا على الأقدام حاملًا حقيبته على ظهره وغيرهما.

أرى أن هذه الصحوة المحلية سوف تكسر الحدود ويبدأ الشباب المصـري في الترحال شرقًا وغربًا لسبر أغوار العالم المجهول الذي لم يعرفوه إلا من خلال الكتب.

قابلت من يجوبون القطر على دراجة عادية ودراجة نارية، قابلت من بلاد الخليج من عبروا آسيا وأوروبا بالسيارات ذات الدفع الرباعي، ومن صنعوا قوارب خصيصًا للعبور إلى جزر جنوب المحيط الهندي، لكن للأسف لم تسعفهم مهارات الكتابة في سرد مغامراتهم وأرى أنه يجب عليهم الاستعانة بالمتخصصين حتى لا تضيع إنجازاتهم مع مرور الوقت.

عودة إلى (مسافر الكنبة في إيران)، فالكاتب يشير في مقدمة كتابه أنه رغم سفره لأكثر من أربعين دولة حول العالم فإنه لم يعنِ بتوثيق أي من زياراته في كتاب إلا رحلة إيران. وأرى أن السبب جد وجيه؛ فإيران رغم قربها منا تظل مجهولة بسبب الحكم الديكتاتوري لملوكها ثم صعود الملالي الأكثر ديكتاتورية للحكم وتورطها في حرب الثماني سنوات مع العراق، وفى كل هذه الظروف كانت على خلاف مع السلطات الحاكمة المدنية والدينية في مصر؛ مما منع التبادل الثقافي والسياحي لعقود طويلة، ثم أنها أول دولة تجسد تجربة تحول دولة مدنية إلى الحكم الديني في القرن العشـرين فأصبحت أشبه باللغز من الداخل، والواقع غير الظاهر فالشعب الإيراني أكثر تحررًا من الأوربيين أنفسهم إذا قسنا الحرية بالمقاييس النفسية لا الظاهرية؛ كل هذه عوامــل تجعلها فعلًا جديرة بموضوع شيق للسفر والترحال. الحديث يطول ولا عوض عن الإلمام بجميع أوجهه إلا بقراءة (مسافر الكنبة في إيران).

عن لأبعد مدى

مبادرة أدبية متخصصة، تأسست عام 2014م.