مصر عام 1869م في عيون أديب برتغالي

• كتب: محمود عبد الشكور.

أسوأ قراءة لمذكرات وكتب الرحالة والزوار الأجانب لمصر قديمًا أن نتوقع منها ما يناسب رؤيتنا نحن، بينما كل قيمتها تقريبًا فى هذه العين الأخرى التى تنظر إلينا، تواجهنا بالعيوب قبل المحاسن، وترسم الصورة بدون تزويق أو رتوش.

من تلك النوعية المميزة كتاب “خيالات الشرق.. رحلتي إلى افتتاح قناة السويس” الصادر عن دار العربي للنشر والتوزيع، متضمنًا ما كتبه الأديب البرتغالى إيسا دي كيروش عن مصر فى القرن التاسع عشر، وبترجمة وتقديم للدكتور السيد محمد واصل.

رأيت في الكتاب وثيقة مدهشة عن المدن والبشر والأماكن والظروف الإقتصادية والإجتماعية في مصر، كتبت بأسلوب أدبي رصين، رغم أنها لم تكن سوى قصاصات متناثرة، جمعها فى كتاب بالبرتغالية حفيد المؤلف بعد 57 عامًا من وفاة جده، وعندما تم ترتيب القصاصات زمنيًا، منحها الحفيد اسم “خيالات الشرق”، لأنها رحلة مرت كالطيف العابر فى حياة مؤلفها، الذى جاء إلى مصر وعمره 23 عامًا، لكى يحضر مع صديقه حفل افتتاح قناة السويس في العام 1869.

يرسم الكتاب صورة نابضة بالحياة لكل التفاصيل اليومية، إيسا يعتبرونه أفضل من كتب بالبرتغالية فى القرن التاسع عشر، واشتهر برواياته الواقعية، ولذلك لم يكن غريبًا أن يمتلىء النص بالتشبيهات المجازية البديعة، وباللوحات التى رسمها بالكلمات، وبالمزج بين الواقع الخشن الذى يراه، والخيال الذى حمله معه عن مصر والشرق عمومًا، والمتأثر بالتأكيد بحكايات ألف ليلة وليلة.

يحضر البشر أيضًا بكل جنسياتهم ودياناتهم وطبقاتهم، مصريون وأتراك وشوام وأرمن وأوربيون، فلاحون ونوبيون، شحاذون وأمراء، عبيد وسادة، رجال ونساء وأطفال، بل وتحضر كذلك شخصيات هامة مثل فرديناند دليسبس، والأديب الفرنسى تيوفيل جوتييه، ومن الحارات والمساجد والمتاجر والمقابر، إلى الحمامات الشعبية وفندق شبرد ومتحف بولاق للآثار المصرية، يتحول التاريخ إلى لوحة هائلة حاضرة، وبمنهج  يعتمد أساسًا على المشاهدة، ولكنه لا يخلو من التعليق والتحليل والرجوع إلى التاريخ .

ينبهر إيسا وهو يشاهد القاهرة من أعلى القلعة، مثلما ينبهر بمسجد السلطان حسن، ولكنه ينزعج من البقشيش، ومن المتسولين فى كل مكان، ومن الوحل الذى يغطى شوارع الإسكندرية، بينما يندهش من المساومة والفصال بين البائع والمشترى فى البازارات، ويستمع دون مراجعة إلى آراء دليسبس عن بؤس حال الفلاح المصرى، وعن استغلال الآجانب لثروات البلاد، وكأن دليسبس لم يتورط شخصيًا فى هذا الإستغلال.

ويتوقف المؤلف طويلًا عند المرأة فى الشرق، وفي مصر خصوصًا، ويعتمد بشكل كبير على شهادة من سكرتير نوبار باشا، الذي يتحدث عن عالم نسائى مغلق من الحريم والجواري، وعن حياة ساكنة رتيبة، لا تزيد فيه المرأة عن كونها مجرد متاع للرجل، وإن كانت نظرة إيسا للفلاحات العاملات مليئة بالتقدير والإعجاب، رغم ظروفهن القاسية، وأسمالهن البالية، والفكرة العامة في الرحلة هى أن مصر  لها مظهر أوربى حديث، ولكنها ما زالت مشدودة إلى ميراث القرون الوسطى، والفوارق ما زالت شاسعة بين الباشوات والفلاحين.

متعة حقيقية أن تقرأ ترجمة لوصف إيسا لما يراه مثلما يقول:

– كانت الدهبيات تبحر فى النهر بشراعها المفردوة كالأجنحة العملاقة، التى تعطيها الشمس لونًا ورديًا، وعلى البعد تقف أهرامات الجيزة بشكلها الدقيق، فبدت وكأن النحات انتهى لتوه من نحتها، وسط ضباب بلون الورد، وعلى الجانب الآخر يمتد المنظر فى الأفق وكأنه تشكّل من لوحات صغيرة، فهذه لوحة لحقل أخضر لامع خصب يمتلىء بالحياة، وتلك حقول تمتلىء بالحياة تلمع كالفولاذ، وتلك أشجار سامقة تمتلىء بالزهور البيضاء، وتلك بجعة لها منقار كبير تقف إلى جانب المياه.

وكأنها ريشة مصور لا تترك شيئًا دون أن ترسمه، وتسجله، وتعيده الى الحياة، إنها حقا من أفضل المذكرات التي كتبت عن مصر في القرن التاسع عشر، وأحسب أنه من الصعب أن نتحدث عن تلك السنوات دون أن نعود الى عيون إيسا الذكية.

لا شىء يستحق الإهتمام أكثر من أن نرى أنفسنا فى مرايا الآخرين.

• نقلًا عن الصفحة الشخصية للكاتب على (فيسبوك).

عن لأبعد مدى

مبادرة أدبية متخصصة، تأسست عام 2014م.