مقدمة (أبناء هورين)| بقلم ابن تولكين

• ترجمة: محمد فاروق المليجي.

كانت شخصية تورين [1] ذات أهمية كبيرة لوالدي إذ أظهر بوضوح شدة بأسه وافتقاده لروح المرح وولعه بالعدالة وعطفه، وكذلك أوضح أن والده هورين كان على العكس منه متفائلًا، مبادرًا ومرحًا، أما أمه موروين فهي متحفظة، شجاعة وذات كبرياء، وأظهر أيضًا حياة أهل بيته في بلدته الباردة (دور لومين) خلال السنوات المليئة بالرعب بعد أن كسر مورجوث حصار أنجباند قبل ولادة تورين [2].

حدث كل هذا في أيام العظماء القدامى خلال العهد الأول للأرض الوسطى، في زمن سحيق لا يُعرف عمقه. وظهر مدى قدم تلك القصة في إحدى فقرات رواية ملك الخواتم، حينما تحدث إلروند في مشورته بريفينديل عن آخر تحالف حدث بين الرجال والإلفيين وهزيمتهم لساورون بنهاية العهد الثاني قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام من هذا المجلس:

حينها سكت إلروند قليلًا وهو يتنهد، ثم قال:

– أذكر جيدًا عظمة راياتهم.. ذكرني هذا بجلال أيام العظماء والحشود العظيمة في أراضي بيليرياند، حيث تجمع العديد من الأمراء والقادة. ورغم هذا فعند سقوط ثانجورودريم [3] واعتقاد الإلفيين أن الخطر قد زال، فإن هذا لم يحدث أبدًا.

سأله فرودو متعجبًا:

– أوتذكر هذا؟!

 ثم أكمل بينما إلروند يلتفت إليه:

– ولكني اعتقدت أن سقوط جيل جالاد [4] كان منذ فترة طويلة جدًا!

أجابه إلروند:

– هذا صحيح بكل تأكيد، ولكن ذاكرتي تعود حتى إلى أيام العظماء القدامى. كان (إي أرينديل) [5] -الذي ولد في جوندولين قبل سقوطها- والدي  وكانت أمي إلوينج ابنة ديور ابن لوثيّن  من بريثيل. لقد شاهدت بعيني ثلاثة أجيال في الأراضي الغربية، شاهدت العديد من الهزائم والعديد أيضًا من الانتصارات المبهرة.

قبل هذا المجلس بحوالي ستة آلاف سنة ونصف كان مولد تورين في دورلومين في الشتاء -كما قد ذُكر في سجلات بيريلياند- ونذر شؤم وأحزان تصاحبه. ولكن مأساة حياة تورين لا يمكن فهمها بمعزل عن باقي الأحداث، إذ كتب عليه أن يعيش أسير لعنة قوى عظيمة وغامضة.

إنها اللعنة التي نشأت من كراهية مورجوث لهورين وموروين وأولادهما بعد أن تحداه هورين ورفض الخضوع لحكمه، وقد كان مورجوث -أو العدو الأسود كما أطلق عليه- في أصل نشأته وكما أخبر هورين حينما أحضروه مكبلًا إلى ميلكور، أول الآلهة وأعظمها الذي وجد قبل باقي العالم.

صار مورجوث بعد هذا متجسدًا بشكل دائم في هيئة شنيعة -رغم عظمة تلك الهيئة والسحر الساكن فيها- وملكًا على الجزء الشمالي الغربي للأرض الوسطى في قلعته الضخمة الموجودة فوق جبال إنجباند المسماة بالجحيم الحديدي والمشبعة بالرياح السوداء المسممة مما يحاك بها، تلك القلعة التي يمكن أن ترى بالعين المجردة من الشمال.

وصفت بوابات مورجوث في سجلات بيليرياند أنها -برغم بعدها عن جسر مدينة مينيجروث مسافة مائة وخمسين فرسخًا- قريبة في نفس الوقت ، والجسر المذكور هذا هو الذي يؤدي إلى حيث يعيش ملك الإلفيين ثينجول، الذي اتخذ تورين ابنًا بالتبني ولقد أطلق على هذه المدينة مينيجروث أي مدينة الألف كهف والتي تقع جنوب شرق دور لومين.

لكن تجسد مورجوث هذا جعله خائفًا، إذ كتب والدي عنه، يقول:

– رغم زيادة حقده والشر الذي ظهر في إرساله للعديد من مخلوقات الظلام فإن هذا جعل قوته –رغمًا عن إرادته– تنسل إلى تلك المخلوقات وازداد بالتبعية التصاقًا أكثر بالأرض. وهكذا فعندما ذهب فينجولفين ملك ملوك الفيي النولدور إلى إنجباند وحده ليتحدى مورجوث أن يقاتله وقف عند بوابة إنجباند صارخًا:  

– تعال إلى أيها الملك الجبان لتقاتلني بيديك العاريتين، اخرج من حفرتك القذرة التي تختبئ فيها مع عبيدك أيها الكذاب المتخفي، يا عدو الآلهة والإلفيين، تعال حتى أرى وجهك الجبان.

ولأنه من المستحيل أن يرفض هذا التحدي أمام قواده فقد قيل أن مورجوث لبى النداء وحارب فينجولفين بالمطرقة العظيمة (جروند) -والتي مع كل ضربة كانت تترك حفرة في الأرض- حتى أسقطه ميتًا مهزومًا على الأرض، ولكن فينجولفين قبل أن يموت استطاع إصابة قدمه الضخمة حتى ملأت دماؤه السوداء الحفر التي تركتها مطرقته في الأرض وظل من بعدها مورجوث أعرجًا للأبد.

وعندما أتى بيرين ولوثيِّن إلى قلعة إنجباند في هيئتي ذئب ووطواط آخذين طريقهما إلى أعمق بلاط بالقلعة حيث يجلس مورجوث ألقت لوثيِّن تعويذة عليه فوقع من فوق عرشه مثل جبل ينهار يصاحبه صوت كالرعد وتردد الصدى المعدني لسقوط تاجه من فوق رأسه.

إن لعنة كيان مثل مورجوث -الذي قال على لسانه أن خططه المظلمة تحيق بأردا -أو الأرض- وكل الذي يعيش فيها يخضع لإرادته إن عاجلًا أو آجلًا -ليست كأي لعنة مصدرها كائنات أقل شانًا بكثير من مورجوث. إن مورجوث لا يستدعي قوى خارجية أو قوى عليا لإنزال لعنته ولكنه -سيد مصائر أردا كما أسمى نفسه- يصيب أعداءه بلعنته مستخدمًا قواه الخارقة وليس أي قوى أخرى. إن مورجوث يرسم بيده مستقبل من يكره وهكذا قال لهورين:

– إن المصير الذي أخططه لأحبائك سيظللهم كسحابة من العذاب التي تقودهم إلى الظلمة واليأس.

من ثمّ فقد كانت عقوبة هورين أن يرى بعيني مورجوث نفسه. لقد أعطى والدي تفسيرًا واضحًا لما تعنيه هذه الكلمات؛ إن أي شخص يجبر على أن ينظر من خلال عينيّ مورجوث لن يرى -أو يستقبل في ذهنه من عقل مورجوث-  سوى الحقيقة مشوهة بشرور مورجوث اللانهائية، ولو كان هناك من يمكنه أن يرفض حكم مورجوث فإن هورين بكل تأكيد لم يفعل. كان هذا الاختيار -كما قال والدي- جزء منه بسبب حبه لأقاربه وقلقه عليهم مهما كان مصدر معلوماته، وجزء آخر بسبب كبريائه واعتقاده أنه هزم مورجوث في هذه الجولة –بتحديه له- وبقدرته على دحض تلك اللعنة، أو على الأقل اعتقد في قدرته على التمييز بين الواقع وبين أحقاد وخبث مورجوث.

كان هذا إذن هو مصير هورين؛ أن يجلس على مقعد في مكان مرتفع فوق جبل ثانجورودريم بغير حراك يشاهد بتلك المرارة -التي يغذيها عدوه- حياة ابنه تورين منذ رحيله عن دور لومين وحياة ابنته
ني-إينور التي لم تر أبيها أبدًا.

في قصة تورين –والذي أسمى نفسه تورامبار (سيد القدر)-  تظهر لنا آثار تلك اللعنة كقوى تم إطلاق سراحها وصارت تسعى بذاتها لأعدائها حتى قيل أن مورجوث نفسه قد خاف أن تتزايد قوى تورين إلى حد أن تصير اللعنة بلا تأثير عليه ويهرب من المصير الملعون الذى صمم له. لذلك وفي نارجوثروند عندما كان تورين مخفيًا لاسمه الحقيقي غضب جدًا من جويندور [6] حينما أفشى سر ذلك الاسم، وقال له:

– لقد فعلت بي شرًا عظيمًا بإفشائك اسمي واستدعيت مصيري الملعون الذي كنت أختبئ منه، ورغم أن جويندور كان هو من أخبر تورين بتلك الشائعات التي تنمو في أنجباند -حيث كان جويندور يومًا أسيرًا- أن مورجوث قد ألقى لعنة عظيمة على هورين وعائلته إلا أنه أجابه:

– إن المصير الذي تهرب منه يعيش داخلك وليس في اسمك.

ولأهمية هذه النقطة للرواية فإن والدي قد اقترح اسمًا بديلًا لها هو؛ قصة لعنة مورجوث، وقد ظهرت نظرته لتلك اللعنة في هذه الكلمات:

– وهكذا انتهت قصة تورين الملعون، أسوأ أعمال مورجوث الشنيعة في عالم الرجال في العصور البائدة.

*************

• الهوامش:

[1]  البطل الرئيسي للرواية.

[2]  تفاصيل تلك الأحداث ستظهر بعد قليل.

[3]  الجبل الواقعة فوقه قلعة أنجباند مقر مورجوث، وفي الرواية كثيرًا ما يقال ثانجورودريم ويقصد به قلعة أنجباند أو مورجوث.

[4]  إيرينيون جيل جالاد: الملك السادس والأخير من الملوك العظام لإلفيي النولدور.

[5]  Eärendil.

 [6] جويندور: ابن جولين، وأمير من أمراء نارجوثروند، وأحد المشاركين في معركة نيرنايث أرنويدياد (معركة الدموع اللامتناهية) والذي هجم على كتيبة مورجوث في المعركة لما رأى جثة أخيه جيلمير، وقد قيل أن مورجوث قد ارتبك واضطرب من هذا الهجوم في البداية، ولكن في نهاية الأمر استطاع أن يأسره ويخطفه إلى داخل قلعة أنجباند.

بعد هذا بأربعة عشر عام هرب، لكن خسر في هذا إحدى يديه، واستطاع أن يحرر تورين تورامبار ويعيده إلى نارجوثروند. كان جويندور ضد سياسة الحرب المفتوحة مع مورجوث التي قررها تورين ولكن تم تجاهل رأيه، وختامًا قُتل في معركة (تيومهالاد).

عن لأبعد مدى

مبادرة أدبية متخصصة، تأسست عام 2014م.