نِك ماييز في واحة الغروب جـ2

• ترجمة: محمد عبد العزيز الخولي.

• لقراءة الجزء الأول.

اسمي (نِك ماييز)، ويؤسفني أن أعلن من البداية أنني حالة ميئوس منها من أحلام اليقظة، كما أنني أعشق الغموض، التاريخ، والرومانسية. لو حدث واجتمع هؤلاء الثلاثة في مكانٍ ما، يمكن أن يذهب صوابي فعليًا، وهذا ما جعل واحة (سيوة) تجذب انتباهي لأختارها كي تكون وجهتي المثالية لقضاء الشتاء، إنها تجمع هؤلاء الثلاثة سويًا.

*******

قام د. (منير نعمة الله) -وشركته ذات المقر القاهري المدعوة (جودة البيئة العالمية) أو (جبد)- بإنشاء النزل كجزء من مخطط أكبر لحماية كل من التقاليد السيوية والنظام البيئي الهش.
منذ 1997م، قامت (جبت)  بالاستثـمار بقــوة في أربعة محاور:

– نظم الإقامة البيئية.

– الحرف الشعبية التقليدية.

– الزراعة العضوية.

– الطاقة المتجددة.

كان لتلك المبادرات تأثيرًا كبيرًا، خصوصًا وأن معظم السكان المحليين يعتبروا من أصحاب الحرف الصغيرة، الذين لم يعثروا بعد على أفضل الصفقات لتسويق منتجاتهم. تُشجع الـ (جبت) استخدام طرق الزراعة العضوية بالإضافة لشــراء محاصيلهم قبل حصادها أصلًا بسعر السوق، علاوة على توفير خطط تمويل على المدى القصير.

وفي الوقت الحالي، يقومون بإجراء الكثير من التجارب على ما يسمى “المغذيات الحيوية” لتوفير مصدر طبيعي لغاز الطهو والأسمدة العضوية، بالإضافة إلى القيام بإنشاء مصنع ضخم للزيتون، مبني من (الكيرشيف)، وهو مزيج من الطمي والرمال والملح الجاف، شائع الاستخدام في سيوة.

لكن ما يحتاج لتسليط الضوء عليه حقًا هو عملهم مع النساء المحليات. فنساء سيوة خفيات بالكامل بالنسبة للغرباء، فهن يعشن بمجتمع محافظ للغاية، حتى بالمقاييس المصرية.

تقوم (جبت) تدريجيًا بتشجيعهن على الاستقلال الاقتصادي عن طريق مبادرة الحرف التقليدية النسـوية.. يمكن لنا شراء منتجـاتهن المتقنة الصنع بالنزل المذكور.

رغبت في رؤية المشاريع أثناء تطورها، لكن لكوني رجلًا، فالأمر لم يكن مقبولًا. فقررت الذهاب لرؤية راعي أغنام مع قطيعه عوضًا عن هذا، وبدون قصد تسببت في الكثير من الفوضى بتركي باب الحظيرة مفتوحًا. صنع خروج ما يقرب من الستة وثلاثين حيوانًا الكثير من الفوضى وعاصفة من التراب، وقضى الراعي العشـر دقائق التالية في مسح دموعه.. دموع الضحك.

محمر الوجه خجلًا، وجدت ملاذا آمنًا في حمام روماني بسيط ذو مياه جوفية. لا توجد الكثير من الفنادق بالعالم التي يمكنها ادعاء امتلاك مثله، لكن هنا ستجد فندقين لديهم هذا.

تكفي نقطة المياه اللازوردية غير العادية التي تصاعدت فقاقيعها من الآبار التي بدت عميقة بلا قاع، قبل أن يتقاطر سيل المياه بين مجموعة من الأحواض الحجرية لتصب في حدائق تظللها مجموعة من النخيل.

كان الأمر ساحرًا جميلًا لدرجة أن الإسكندر الأكبر لابد وأنه لم يستطع مقاومة أن يغطس بقدمه في واحدة من تلك الأحواض عندما زار هذه المنطقة، حتى ولو كان قد أتى لتلك المنطقة بغرض استشارة العرافين بمعبد آمون.

المذهل أن هذا المعبد الذي شهد تلك النبوءة لا يزال باقيًا، مثله مثل حمام (كليوبترا)، وهو حمام سباحة روماني غير تقليدي، كما أتى الكثير من أفراد العائلات الملكية لزيارة هذه المنطقة، كأمير (ويلز) على سبيل المثال.

ستكون محقًا لو خمنت من كل هذا أن قضاء أجازة هنا ليس رخيصًا على الإطلاق، لكن الخبر الجيد هو أن (جبت) لديها مكانيـن آخرين للإقامـة لا يقـلان في جمالهما، وبسعـر أرخص كثيرًا، إن لم يكونا  بنفس المساحة الشاسعة والهدوء.

اسمهما (نزل شالي) و(فندق البابينشال)،  كلاهما في الجزء القديم من مدينة سيوة، ومن بين الاثنين كان فندق (البابينشال) هو من  اجتذب إعجابي أكثر. يتكون هذا الفندق من إحدى عشـرة غرفة، متصلين عن طريق شبكة من الممرات والبلكونات التي تطل على قلب المدينة، وتم بنائهم على أطلال قلعة شالي، التي تنتمي إلى القرن الثالث عشـر والتي ظلت سليمة حتى جاء عام 1926م، عندما أتت ثلاثة أيام من الأمطار المتواصلة التي دمرتها.. أثاث شالي بسيط لا يتجاوز الأثاث المصنوع من سعف النخل، والسجاد البدوي ذو الألوان الزاهية.

تسابقت أيام (أدرير أميلال) في كسل وراء بعضها البعض، و هو ما يمثل جزءًا من سحر المكان.. لم أرَ المكان وهو ممتلئ بالنزلاء،  لكن من الصعب أن أتخيل هذا المكان الساكن وهو مزدحم.. ولو كان المكان مزدحمًا بالفعل سيتوجب عليك أن تقوم برحلة للكثبان الرملية المحيطة.

من الواجب القيـام برحلة بعد العصر لزيارة بحـر الرمال العظيم. بينما تغطس الشمس غاربة، تبدأ الكثبان الرملية في اللمعان، لتبدو كأنها مقطوعة بأشعة الليزر لتظهر لنا مصنوع بدقة شديدة. توقفنا لبرهة لشرب بعض الشاي والتهام بعض الشطائر بين أحضان الشمس الغاربة والصحراء اللانهائية.

كانت تجربة رائعة لا تقاوم، أشعرتني بمدى هشاشتي وضعفي البشري، حتى قاطعت زقزقة عصافير معدتي كل  تلك الأفكار الحالمة؛ أردت تناول العشاء.

تناولت العشاء بإحدى الحفر الصغيرة الأخاذة، والمتراصة حول أرض الفندق، بعيدًا عن النزلاء الآخرين.. كل تفاصيل المكان تثير بداخلك شعور أن هذا بيتك الخاص أو أنك بحفل عشاء.. وبالفعل شعرت أنني بحفل عشاء، فقد التقيت بمجموعة رائعة من مختلف الأصول، بوليفيين، نرويجيين، مصـريين، وأمريكيين.. احتفلنا حتى وقت متأخر من الليل مستغليين وجود نبيذ أحمر معتق والكثير من الأطباق النباتية الرائعة (هناك الكثير من أطباق اللحوم متوفرة كذلك).

لكن على عكس المتوقع، فنجاح منظمة (جبد) سلاح ذو حدين.. البعض يرى أن أفعالها حداثية أكثر من اللازم، وأنها ستنعكس على البيئة المحيطة بالسلب، ربما كان التقليد هو أكثر مظهر للإخلاص وإثارة الإعجاب، لكن سريعًا ما سيتسبب في خراب المصادر المحلية.

في الوقت الحاضـر، لازالت الرحلة الطـويلة من القاهرة لا زالت رادعة لأولئك الذين لا يرغبون فعلًا في القيام بزيارة، لكن هناك إشاعات حول التخطيط للقيام بإنشاء مطار هناك، وهو ما سيكون كارثيًا، لأننا بتلك الطريقة سنفقد إلى الأبد تلك الثقافة الفاتنة، وسنفقد للأبد تلك الواحة الجميلة الساحرة.

■ كيف تصل إلى هناك:

– الخطوط الجوية البريطانية: 0844 493 0787

الطائرة من مطار هيثرو للقاهرة ستكلفك 335 جنيهًا استرلينيًا، متضمنة الضرائب.

الأتوبيس مـن القاهرة سيكلفك حوالي عشـرة دولارات أمريكيـة لرحلة الذهـاب ومثلها لرحلة العودة، بينما لو قررت استقلال سيارة خاصة بسائق ستكلفك مائتي دولار لرحلة الذهاب ومثلها للعودة.

زر موقع (siwa.com)، لمزيد من التفاصيل:

■ أين تقيم:

(أدرير أميلال)- 0020227367879.

adrereamellal.net

الغرف الفردية/ لفردين  تكلف بدءًا من 415 وحتى 550 دولارًا أمريكيا لليلة شاملة كل شيء.

– فندق (الألبابينشال):

(+46 460 1499 siwa.com).

–  نزل (شالي):

(+46 4602 399 siwa.com).

كل منهما لديه غرف فردية/لفردين/لثلاثة أفراد، وتكلف 35/46/56 جنيهًا استرلينيًا لليلة.

لتكون لديكم المعلومة كاملة، كل تلك الأسعار بعام 2009م.

■ للمزيد من المعلومات (المكتب المصري للسياحة):

020-7495 6489 Egypt.travel.

– منظمة جودة البيئة الدولية Environmental Quality International:

eqi.com.eg

*******

♠ نشرت في العدد رقم  (31): ومضات- أدب رحلات.

• المؤلف (نِك ماييز):

ـ روائي بريطاني، إذاعي،  كاتب متخصص في أدب الرحلات.

ـ من أعماله: (Not Dark Yet)، (The Africa Bar).

الموقع الإلكتروني: (https://nickmaes.com/)

• المترجم (محمد عبد العزيز):

ـ روائي ومترجم مصري.

ـ من مؤلفاته: رواية (بيانكا)، (انتقام بأثر رجعي).

ـ الصفحة على موقع التواصل: (هنا).

عن لأبعد مدى

مبادرة أدبية متخصصة، تأسست عام 2014م.