وراء الحواس: السعلوة جـ2

عاش غلاب في تبات ونبات، فلم ينغص حياته سوى طوارئ بسيطة من حين لآخر، تلخص أغلبها في مرض (سهر) على فترات؛ حيث ترتفع حرارتها إلى حد مهول، وتشتكي أن كل شيء في فمها يتحول إلى طعم المر، الغريب.. أن المرأة لا تمل من طمأنة زوجها:

– لا تقلق عليّ يا غلاب؛ إنها مجرد سخونة عابرة. أما المر، فقد ولدنا لنجده يسكن حلوقنا.

– ماذا تقولين!؟ كيف تتعاملين مع كل ذلك على أنه أمر طبيعي!؟

فتحتويه سهر بابتسامتها وذراعيها معًا:

– لأنها كذلك فعلا؛ فهي ترافقني منذ ولدت.

لا يزال غير مقتنع:

– وماذا عن التشنج الخفيف الذي يصاحبها؟ وتغير لون وجهك؟

– إنها أيضًا عوارض تذهب لحالها، فلا تراع يا (زول).

اخترقت ابتسامة وجه غلاب المتيبس؛ فـ(يا زول) تعني (يا رجل) باللهجة الحدودية، إن سهر لم تنس عاميتها الأصلية، ولا تزال تسحره بمفردتها.

لم يستسلم غلاب، وجاهد لفرض رأيه:

– لِم لا تطاوعينني يا سهر؟ إن الشيخ صالح على بعد خطوتين. أنا واثق أنك محسودة، أو أن هناك من عقد  لك (عملًا). ماذا يضيرنا من الذهاب ومن ثمّ الاطمئنان؟!

لم تطاوع سهر غلاب يومًا، وأصرت أنها بخير، أو على حد تعبيرها:

– وليه أروح لشيخ؟! أنا (هلو) وعال.

هنا ينهار عناد غلاب، ويستسلم للذوبان بين أصابعها، فيكرر مقلدًا:

“عندك حق، أنت فعلًا (هلو وعال)”

غاص الحبيبان في نهر العناق، وتسليا معًا بالسقوط إلى الأعلى؛ وبينما وصلا إلى عنان السماء، يفاجأ غلاب بعادتها الغريبة؛ إذ تمرر أسنانها على وجنته، ثم عنقه، وتنشبها فيه، مما يجعل غلاب يشتمها بنزق، لا بغضب؛ فأثناء غيبوبة الحب، لا أحد يبحث عن منطقية لممارساته، ثم علها تحاول أن تتذوق في حبيبها ما تكسر به طعم المر. آه، يا سهر، كم أعشقك!!

بعد فترة، ألمت بسهر أعراض مختلفة، تلك الأعراض التي تبشر بقدوم ولي عهد.

لم يصدق غلاب نفسه، إن عصا السعادة السحرية مسته، فمنحته الدنيا من كامل أطرافها، ماذا يمكن أن يتمنى أكثر؟!

لديه مليكته سهر، وولي العهد حسين.. أصر على تسميته بهذا الاسم المبارك.

ورث حسين حُسن أمه، فاعتبر غلاب ذلك من حُسن الطالع، وعندما كبر الطفل، أدرك غلاب أنها ليست مزية خالصة؛ فقد أثار ذلك حسد أقران الصبي، وأشبعوه استهزاءً بسببها؛ ففي عرف الأطفال: الوسامة نقيض للرجولة.

كل يوم يرجع حسين إلى أبيه مقهورًا، ويشتكي له أولاد جارهم (برسي). تراقب الأم الموقف عن مبعدة، وتشاهد الأب يطيِّب خاطر حسين، ويمنحه بعض الحلوى.

– كفكف دموعك يا ولدي، إنهم يغارون منك، تجاهلهم تمامًا ولا تأبه بهم.

رمق الابن والده بأعين خاوية؛ فقد توقع رد فعل أكثر حمية.

رفض الحلوى ليتركها تسقط في يد أبيه، وعزم في نفسه أمرًا، حتى كان منه ما كان.

************

أيام طويلة مرت على غلاب كالدهر، لا يعرف أيهما أشد وجعًا؛ نظرات عائلته، أم نظرات الناس؟!

الآن -فقط- ذاق ما تشتكي منه سهر، وعرف شكل الدنيا عندما يكتسي كل شيء فيها بطعم المر؛ فصار يبدأ يومه بالاستيقاظ على ريق كالحنظل، ثم يكمل بقيته مبتهلًا بأمنية واحدة: أن تنشق الأرض وتبتلعه على غير رجعة.

حتى ابنه حسين.. تحاشى النظر إلى والده، وقد وقر داخله الإحساس بالذنب.

كلا يا حسين، لا يمكن أن ألومك.

كيف تنظر في عيني امرأة وأنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها؟

كيف ترجو الغد لوليد ينام،

وهو ينمو بين يديك بقلب منكس؟

لم يسمع غلاب أنشودة أمل دنقل تلك قبلًا، لو سمعها (لبصم بالعشرة) أنها لسان حاله.

جال في خاطر أن يطلق سهر، ثم استبعد -لفوره- تلك الفكرة المدمرة. لا يوجد سوى المهرب المعتاد إذن. اتجه غلاب إلى زوجته بينما ييمم وجهه صوب اللامكان:

– سهر، سأسافر في قافلة غدًا.

قرأت سهر ما يعتمل بأعماقه:

– غلاب! قلت مسبقًا أن القافلة القادمة بعد أسبوعين!

– تم تقديم الموعد.

تأملت سهر ملامح رجلها، وتحسست وجهه، في المقابل، انقبضت ملامح غلاب، إذ شاكته أناملها؛ أبعد ما يحتاجه الآن هو الشفقة.

واجهت سهر زوجها:

– لا تبتعد يا غلاب، لا يوجد أصلًا سبب لتبتعد من أجله.

– ماذا تقولين؟!

تعلقت المرأة بذراعه، وأجلسته إلى جوارها، ووضحت له بينما تعتدل:

– زوجي الحبيب، أردت تجاهل الموضوع تمامًا حتى لا أجرحك، لكنني ألاحظ حزنك المبالغ، لذلك سأكلمك بواقعية. برسي سيحدث له ما يستحقه يومًا، اترك ذلك للقدر، أما بخصوص ما حدث فسينساه الناس مع الوقت، وينتقلون للنميمة حول غيره. لا تظن يا حبيبي أنك محور الكون، وأن الجميع سيتذكرون الواقعة لألف عام، لو ظننت ذلك  فإنك –حقًا- مغرور.

سكبت زوجته بعض المرح على جملتها الأخيرة، بينما تصلب وجه غلاب:

– أنتِ مخطئة يا عمري؛ إن ما يؤرقني أكثر هو أنتم، ألوم نفسي طوال الوقت أنني لا أستحقكم، لطالما كنت رجلًا يسكنه الخوف، أخاف من كل شيء وأي شيء، ولو أردت قولها صريحة، فأنا (جبان).

– لا تقل ذلك؛ إن ما حدث هو محض استثناء عارض، أنسيت أنك تجول الصحراء بلا انقطاع، تحمي قطعان جمالك؟!

استند غلاب إلى ظهر الدكة، أو بمعنى أدق ألقى نفسه إلقاءً:

– كلامك صحيح؛ أنا أغامر -بلا انقطاع- في الصحراء، وجدت ذلك حلًا لاكتساب الجرأة، فإذا بحالي كما هو؛ فالوحوش تَرهب التعرض لقطعان، فاكتشف أن الجمال هي مصدر طمأنتي، لا العكس.

داعبت سهر شعره باسمة، وخاطبته بهمس خفيض:

– هذا أجمل ما فيك.

– أتقولين: أجمل ما في (افتقادي الجرأة)؟!

– لم أقصد، بل عنيت أن أجمل ما فيك، هو عدم توقفك عن المحاولة.

استعادت سهر كامل جديتها:

– من منا لا يخاف يا غلاب؟! لكنك رجل فريد من نوعك، رجل قادر على أن يصادق الخوف، دون أن يتركه يتحكم فيه لثانية. صدقني، لو أن الخوف امرأة، لما رضت بغيرك زوجًا.

بدلًا من أن يتضايق غلاب، استسلم للابتسام هذه المرة:

– يا لتشبيهاتك الغريبة! بالمناسبة، لون وجهك بدأ يتغير، لقد اكتسب ذلك الابيضاض الذي تعرفينه.

سُرت سهر بابتسامة زوجها، فسعت لتغيير الموضوع قاطبة:

– أسمعت بالزوبعة؟

الزوبعة هي الرياح الحلزونية المحدودة، والتي تتدثر بثوب من الأتربة الكثيفة، تعتبر في عرفهم نذير شؤم؛ إذ تعبر – في موروثهم الشعبي- عن… الشيطان.

لاذ غلاب ببعض لحظات التدبر، ثم رد بأن الأقاويل تملأ البلدة حولها، يشاع أنها تقدم كل مرة من ناحية النيل غربًا، وتحوي داخلها عددًا من الجان، اللهم احفظنا يا رب، وهم يرتدون ثيابًا طويلة كالدراويش، وتجول ظلالهم المبهمة داخل الزوبعة، مرسي المعتوه صوَّرهم بالجوال، ويجري بين الناس ليل نهار يريهم الصور، هناك آخرون ادَّعوا اختراقهم للزوبعة، وأقسموا على رؤيتهم مباشرة، وهناك من أنكر وقال إنها تهيؤات.

أضاف غلاب بخفوت:

– أظنني أميل إلى الفئة الأولى؛ فقد…. فقد رأيتها قرب البيت أكثر من مرة.

استعاذت سهر بصوت مسموع، ثم نهضت ترتدي عباءتها، وتحدثت بمرح مرتبك:

– لا تخيفني؛ فأنا أزمع الخروج الآن.

– إلى أين؟

التقطت سهر الطرحة المطرزة، وأدارتها حول رأسها بسرعة ساحرة.

– ذاهبة إلى نعمة، مضت مدة منذ رأيتها آخر مرة.

– إن العصر قد أذّن من مدة، والمسافة بعيدة إلى قريتهم، حتمًا سيجن الليل قبل عودتك. عجيب أمرك يا سهر؛ تتكلمين دومًا عن خوفك من الليل، وفي نفس الوقت، لا تزورين أختك إلا أثناءه!

– لأنها تنشغل بمساعدة زوجها طوال اليوم، فأضمن أن تكون شاغرة، ونثرثر سويًا، وبالطبع لن أتأخر لما بعد المغرب بكثير.

– هل أصحبك؟

تحاشت سهر النظر لزوجها:

– لا داعي لذلك؛ سأذهب وأعود سريعًا كما أخبرتك.

فهم (غلاب) مرادها، لقد أرادت القول أن:

– يستحسن ألا تفعل؛ فقد يحتك بك برسي في الشارع، والموقف لم يبرد بعد.

************

لم يكن غلاب قد استيقظ تمامًا بعد، فأقلق مضجعه أصوات بكاء وعويل، ظنه في البداية جزءًا من نومه، فتثاءب، وتململ في سريره محاولًا النعاس مرة أخرى.

“استيقظ يا غلاب، استيقظ”

“برسي مات”

هب غلاب من نومه، وركل كل أثر للنعاس من عينيه:

– ماذا تقولين يا سهر؟!

وضعت زوجته يدها على رأسه، وكررت:

– برسي مات.

لم يعرف غلاب بماذا يشعر بالضبط؛ بالتأكيد لا مجال للشماتة، ليس هذا ما تربى عليه، فتمتم بصوت خفيض:

– وكيف حدث ذلك؟!

علقت سهر لحظات على أرجوحة التردد، ثم أفصحت أخيرًا:

– قبل أن أخبرك، هل أنت متمالك لأعصابك، وستتحمل سماع التفاصيل؟

… (يتبع).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى)، من رواياته (وراء الحواس، قربان، ..).