وراء الحواس: السلعوة جـ1

صيحة تتقطر شبقًا:

– هيا، إن الجثة طازجة، لم أعد أطيق صبرًا من الجوع!

صوت لابشري يُعقِّب:

– إذن فلنكسر عنقه، ونخرجه.

 تلفظت العيون بما تبحّ به الألسن، فدار هذا الحوار الصامت:

– توقعت أن تدافع عني يا أبي، أن تنتصف لي منهم.

– لا قِبَل لي بعائلاتهم يا حسين.

– من يحميني إذن، إن لم يقم والدي بذلك؟!

أفلت الصبي الحلوى التي تناولها له يد أبيه، وذهب إلى أمه على الدكة، وسكن في حضنها، فاحتوته سهر صامتة، بينما تتحاشى النظر إلى غلاب.

ظل غلاب متأرِّقًا طوال الليل، سهر تتقلب بجواره في الفراش، أواه! إن عينيها بعض الليالي تفتح وتغلق أثناء نومها، فتبدو مخيفة!

تحول عنها غلاب؛ فالأكثر تأثيرًا بالنسبة إليه هو نظرة حسين، كم هي قاسية لحظات الضعف! تلك اللحظات التي تكره فيها نفسك!

لقد ذهب -فعلًا- إلى برسي من يومين، ولكي نصف من هو (برسي) بالضبط، فهو في حجم باب الدار، وله من الإخوة وأبناء العم مَن يطابقونه تمامًا، ولا يتخيرون عنه، لذلك يستحقون عن جدارة لقب (برسي).

شكا غلاب له أبناءه، فهاج الثور في وجهه:

– بل إن ابنك هو المذنب ولا يكف عن شجارهم. ستحسن صنعًا لو حبسته في المنزل، فلا يؤذي أولاد الناس.

نزل الحديث على قلب غلاب بمنزلة الإقناع، فحجم (برسي) يكسي أي شيء يقوله بثوب الإقناع.

بعد عدة أيام، عاد حسين من الخارج مسرورًا، سأله الأب:

– هيه يا حسين، ما بالي أراك مسرورًا اليوم؟

أجاب الفتى بالفعل لا القول؛ ففتح كفه بنظرة يتقافز فيها كم لا يصدق من المرح، مما جعل الأب ينظر داخل اليد، وارتعد!

فقد استقر بها ظفران صغيران، ظفران كاملان اقتلعا اقتلاعًا، واختلطا بدمائهما.

– من فعل بك ذلك يا حسييين؟؟!

انتبه غلاب إلى أن ثمة خطأ؛ فالصبي لا يظهر عليه أدنى ألم. تفحص الأب يدي حسين بهلع، إنها سليمة!

– ومن قال إنهما لي، بل هي من محمد بن أبو برسي.

– أظافر من؟!

أضاء وجه الفتى بالانتصار، وأكمل:

– لقد تجمعوا حولي وأرادوا ضربي، فانتزعت بأسناني ظفرين من أقربهم إليّ، من سوء حظه أنه كان محمد. ليتك رأيتهم يا أبتِ! لقد جروا أمامي كالجبناء، وأخاهم بللوا جلابيبهم أيضًا.

لم يعرف غلاب هل يضحك أم يبكي؟

– نزعتَ ظفرين؟! ماذا دهاك يا ولد؟! هل عملت في أمن الدولة سابقًا؟!

على ذكر أمن الدولة، خيل لغلاب أنهم  قدموا فور ورود اسمهم؛ فقد شعر بالباب يضرب بعنف، ولم يراع المقتحم حرمة البيت.

احتاج غلاب لثوان حتى يستوعب. إنه ليس أمن الدولة حتمًا؛ فذاك الجهاز تم حله أصلًا عقب الثورة، على حسب ما أكدت نشرات التاسعة حينها.

الوجه الغاضب؟ هو وجه برسي.. وهاتان الجمرتان؟ هما نار الثأر في عيني برسي.

ساوى الجار كرامة غلاب الأرض، وأذاقه علقة ساخنة أمام زوجته وولده الوحيد، فلم ينقذه سوى تدخل أولاد الحلال.

وبينما خده منغرس في التراب، ترنح عقله على أرجوحة الدوار، والذكريات.

كوم أمبو، دنقلة.

ثم دنقلة، كوم أمبو.

لا يذكر غلاب كم مرة تمزق في ذاك السفر الطويل، ما بين ذهابٍ وعودة. والأسباب التي تجره لذلك كثيرة ومتباينة، ونستطيع حصرها في: الفقر، ثم الفقر، أما السبب الثالث فهو أكثرهم قسوة؛ إذ أنه الفقر أيضًا!

فالوادي يلفظ أبناءه كما يقولون. الرقعة الزراعية ضيقة، والأرض الجديدة ذهبت إلى كروش الكبار أو الأغراب، إذن لا بديل عن السفر؛ إنه الحل المرير الممتع، والذي يكفل له الهروب كذلك، وما أدراك ما (الهروب) بالنسبة لغلاب!

في البداية، تاه (غلاب) في نفق السؤال المحير: إلى أين يسافر بالضبط؟

الأغلبية يرتحلون شمالًا، حيث الفرص أوفر-دائمًا- هناك، أو كما يفصح -بوضوح- مثلهم الشعبي: (سافر بحري مسافة يوم، أفضل من تسافر قبلي مقدار سنة).

فكر (غلاب) مليًا، وعزم السير عكس التيار، شجعه على ذلك (طه)، رفيقه الذي ينتمي إلى قرية مجاورة سيتجه إلى قبلي، إلى السودان نفسها.

يقلع (غلاب) من قريته (السبائك) التابعة لمركز (كوم أمبو)، ومنها إلى مركز (دراو) المجاور، معقل قبيلة (العبابدة)(·)، والمحطة الأشهر لتجارة الجِمال، ومن هناك تبدأ الانطلاقة الطويلة عبر طريق درب الأربعين، فتشق الصحراء لأجل جلب رسائل البضاعة من المدينة السودانية (دنقلة).

أخيرًا تعود القافلة بالطريق البري، وطوال الطريق يسدون الأفق بزحفهم المهيب، يشمخ غلاب على راحلته من اليمين، في حين يقودهم طه من الأمام، وينتشر رفاقهم العبابدة على بقية الأطراف، جميعهم ينصهرون في جسد واحد، فيفرضون سيطرتهم -باقتدار- على القطيع، ويردون بحزم ما يشرد عنه من رحال، إلى أن طرأ الحدث الفارق، وشرد (غلاب) ذاته عن القافلة.

***********

– هل لديك القدرة على مواجهة أهليك؟ وإقناعهم بالزواج منها؟

تساءل طه.

– لقد ضغطتَ على موضع الوجع يا طه، إنها المواجهة، وآآه من عبء المواجهة!

تنهد غلاب.

عندما وصل غلاب إلى (السبائك)، ألقى متاعه، والتقط أنفاسه، ثم حدَّث أسرته عن ندَّاهته.

– اسمها “سهر”، تنتمي لأحد القبائل الحدودية، إن قلبي معلق بها، لن أقترن سوى بها.

وبعد طول شد وجذب، انتزع غلاب موافقتهم انتزاعًا.

في القافلة التالية، جلس غلاب مع كبار عشيرتها، وطافت بكارج القهوة العربية بالمجلس.

وبينما يحتسي العاشق فنجانه، طلب يد سهر، للحق.. توقع ممانعة ما، خصوصًا أنه سيأخذها معه إلى (السبائك)، تلك نقطة لا جدال فيها بالنسبة إليه، لكن للمفاجأة، لقي حبروًا عظيمًا منهم، بالذات فور علمهم أنه (جعفري)، وبان أن لسهر منزلة خاصة؛ إذ امتنعوا عن إبداء الرأي النهائي، وأوقفوه على رأيها هي.

دخلت سهر المجلس على استحياء، فذاب قلب غلاب وجدًا على إيقاع دقات خطاها، لم يصدق أذنيه عندما سمع كلمتها المتهدجة:

– مـ و ا فـ ـقـ ـة.

عاد غلاب إلى قافلته بصحبة غادته السمراء، وقال بكلمات تمطر سعادة:

– هيا يا رجال، الآن يمكننا شد الرحال.

أشار طه معترضًا:

– كلا، ليس بعد.

نظر إليه غلاب بتعجب، فأفصح طه:

– أبيت إلا أن أصبح عديلك، يا ابن العم.

لقد مرض طه بصبابة الحب بدوره، وتعلق بنعمة، أخت سهر.

عاد الرفيقان وقد صاروا أربعة، وفي منتصف الطريق، توقفت القافلة للراحة، أعدت الزوجتان العشاء على (الكانون)، والكانون هو النار التي توقد بالحطب بين عدد من الأحجار، بينما على بعد أمتار، تسامر غلاب وطه مع رفاقهما العبابدة.

اتكأ طه على مرفقه الأيمن، ورد نصف شارد:

– أوتعرف يا غلاب؟ إني مدين لشجاعتك إلى الأبد؛ فقد صمدت أمام أسرتك كالوتد، وأصررت على الزواج بسهر، مما ألهمني أن أحذو حذوك بدوري.

قهقه غلاب عاليا، دون أن يعلق.

– ما الذي يضحكك يا رجل؟

– ههههه، يضحكني كلامك -هههه- عن شجاعتي. كلا يا صاحبي، لم أكن شجاعًا كما تظن.

انقلب غلاب بغتة إلى الجدية:

– لقد ساعدتْني قوة أخرى، قوة لا تعرفها إلا بعثورك على الأنثى التي تكملك، وتجد علمها مرفوعًا أعلى قمة قلبك، ربما نضعف عن حماية أنفسنا، أما عندما يتعلق الأمر بحماية عل، أأ..

“غلاااااب، الحقني يا غلاااااااب! إنه وحش!”

بتر غلاب حديثه، فقد هزته ورفاقه تلك الصرخة الطويلة. التفتا بسرعة، لقد تركت سهر أختها نعمة تكمل الطبخ، وابتعدت قليلًا لجلب المزيد من الحطب، الآن يرون سهر تتراجع بخوف أمام كائن مبهم.

انتفض غلاب بينما يسحب عصاه سريعًا، وهرع لنجدة العلم، فتبعه كالبرق طه ونعمة والآخرون.

أثارت خطاهم شراذم الرمال، وإن ظلت المشكلة أن (غلاب) لا يعرف ما سيواجهه بالضبط، كلمة (وحش) غير محددة، حيث تتضمن دلالات كثيرة هنا في أسوان؛ قد تعنى الذئاب، أو الضباع، أو أبناء آوي، أو….، أو….

حتى عندما وصل غلاب، لم تتح له الفرصة ليعرف، فقد وجد طيف يعدو هاربًا فوق أربع، وعلى بعد أمتار، رقدت زوجته أرضًا وهي شبه منهارة، لم يستوعب (غلاب)، ثم أجّل مسألة الاستيعاب هذه لما بعد، هرع يدرك حبيبته المسجاة أرضًا:

– سهر، لا تخافي يا سهر، لقد رحل.

ارتمت سهر بين ذراعي (غلاب)، فنسي الرجل الوحش، ورفاقه، والصحراء، بل واسمه حتى.

توقف الرجال وراء ظهر غلاب؛ لقد اطمئنوا على ابتعاد الخطر فعليًا، وبدأ الموقف يتحول للحظة خاصة بين الزوجين، فانسحبوا واحدًا تلو الآخر، آخرهم نعمة، التي تجمدت في مكانها للحظة، ونظرت -بخواء- إلى حيث فر الوحش، حرر جمودها يد طه، حيث انتبهت لكفه وهي  تمس كتفها، ثم استجابت لإشارته باللحاق بالآخرين.

احتضنت سهر زوجها بشدة، وقالت بين عبراتها:

– لا تتركني أبدًا يا غلاب، لقد خفت كثيرًا.

مازحها غلاب:

– ما أراه -فعليًا- أن الذئب هو من خاف؟

 … (يتبع).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى)، من رواياته (وراء الحواس، قربان، ..).