وراء الحواس: السلعوة جـ3

– قبل أن أخبرك، هل أنت متمالك لأعصابك، وستتحمل سماع التفاصيل؟

– لماذا تقولين ذلك!؟

– لأنه مات بأشنع وسيلة.

شرحت المرأة بعيون متسعة كيف خرج إلى الحقل في منتصف الليل، وفتح قناة الترعة على أرضه، ثم تركها تُروى على أن يعود مرة أخرى، حتى هذه اللحظة رآه الكل، وأكدوا أنه كان بخير، بعد أربع ساعات عاد إلى أرضه مرة أخرى، وهناك التقى الوحش.

لم يفهم غلاب ما تعنيه بلفظة (وحش)؛ فكما نذكر، هي تتضمن دلالات كثيرة هنا في أسوان. في المقابل، وكأنما سهر سمعت خاطر زوجها، عقبت بأن أحدًا لم يعرف أحد ما واجهه برسي بالضبط، من الواضح أنه أشرس كائن على وجه الأرض؛ فقد عثروا على القتيل ممزق العنق، كـ…. كما أن هناك  أجزاء منهوشة من بطنه، يا أرحم الراحمين!

– لقد اقتلع طعم المر من حلقي، منذ سمعت الخبر الشنيع.

تمالك غلاب بصعوبة تقلص معدته، بينما يذهب عقله في تفكير عميق؛ الواجب يحتم عليه أن يذهب للعزاء، في المقابل، كرامته تمنعه من ذلك، كرامته التي سحقها جاره المُتوفَّى ذات مرة.

إن المسافة بينه وبين منزل برسي تقدر بالأمتار، بينما الحاجز النفسي يساوي ما بين السموات والأرض.

خاض غلاب صراعًا نفسيًا شرسًا، ثم انتصر اقتناعه بالواجب.

– “ماذا تقول يا غلاب؟! أستذهب للعزاء، وتطلب مني أن أروحه أيضًا؟!”

رد غلاب بحسم:

– نعم؛ لأن هذا خُلُق الرجال.

همت سهر أن تعترض مرة أخرى، ثم سكتت.

خرج غلاب للعزاء أولًا، وفي الطريق شاهد الزوبعة تدور بطريقتها المترنحة، تبحث عن ضحية قادمة.

دق قلب غلاب بقوة، استحث الخطى إلى دار برسي المجاور، وهمس لنفسه برهبة:

– يا إلهي، لم تحاصرني كل وجوه الخوف اليوم؟!

وما إن دخل بيت برسي، حتى دق قلبه بعنف أكثر، ووجد الأنظار كلها تتعلق به، يا له من موقف!

استجمع غلاب شجاعته، ومد يده إلى علي شقيق برسي، وخاطبه مصافحًا:

– البجية في حياتك يا واد عمي.

انتابت علي مشاعر عدة بدوره؛ الحزن، الغضب، عدم الفهم.

في النهاية، لم يجد بدًا من مد يده بدوره، ورد بصوت جامد:

– حياتك الباجية يا أبو حسين.

***********

جلست سهر على طست الغسيل، وفجأة اعتصرت معدتها بتوجع، انتبه حسين لفوره، فهرع يشدها من طرف جلبابها:

– أماه!! ماذا بك؟؟!

أبعدته سهر برفق، ونهضت تتعثر من الألم. من الناحية الأخرى، جاء غلاب على صوت الجلبة، وهرول يلتقط زوجته بين ذراعيه يسألها عما بها؟

تملصت زوجته من بين ذراعيه، وانثنت على معدتها بألم، فاتخذت هيئة علامة استفهام، اعتصرت معدتها بيد، وأشارت لفمها بالسبابة الأخرى، إنها تريد أن تتقيأ.

سند غلاب قرينته لخطوتين، ثم أفلت خصرها، وبعد دقائق من التلوي والألم، أفرغت ما في معدتها.

تأملها غلاب بأعصاب تحترق على جمر القلق، ثم استحال قلقه إلى ذهول؛ فقد لاحت منه التفاتة إلى القيء.

لقد احتمل الرجل المنظر المقرف، والسبب بسيط:

أن ذهوله كسر تقززه، حيث لم يغلب على القيء لون المياه، أو طعام الأمس، بل ساده اللون الأحمر الدموي، ويضاف إليه هلام جلدي بشع، هذه علامة مرض لا شك.

قلب غلاب شفتيه، ثم انتبه فجأة إلى زوجته المتوعكة، فأسرع يسندها ثانية، وأجلسها على الدكة القريبة.

صاح غلاب بصبيه:

– حسين، كوب من الماء بسرعة! -ثم وجه حديثه إلى سهر-  أخبريني هل أنتِ أفضل الآن؟

– كثيرًا.

تركها غلاب تشرب من يد حسين، وعاد إلى القيء. انحنى على الهلام الأحمر يتأمله، أهذا هو المر الذي تحدث عنه سهر؟

إنها محقة في منحه هذا الوصف، دقق النظر أكثر، أيمكن أن يكون….

قطعت سهر تأملات زوجها؛ فقد جاءت ببعض التراب، وأهالته على الخليط المقرف.

– آسفة على هذه الفوضى.

انتهى الموقف عند هذا الحد، فعاد غلاب إلى مدخل البيت، وجلس على الدكة هناك، أما سهر فقد أنزلت الجرة عن كتفها، وأفرغت المياه في طست الغسيل.

ماذا كنت سأفعل بدونك يا سهر؟! لولاك لكنت حطام رجل.

مَن غيرك استطاع احتوائي وضمي؟! لكن قدري -بكل أسف-  أن أظل محاطًا بظلال الخوف.

– لدي مشكلة برسي وموته المفاجئ، والعاصفة الترابية، وأنتِ يا سهر، حتى أنتِ محاطة بدائرة الشك!

إنك لم تتركيني أعرف أبدًا: هل أنت ممسوسة أم مريضة؟ وفيم رفضك الذهاب للشيخ صالح؟ إنكِ تتقيئين هلامًا أحمر، فإذا لم نذهب للشيخ الآن، فمتى؟!

همَّ غلاب أن ينهض، ويتجه إلى سهر، فيصحبها إلى صالح حالًا، وفي آخر لحظة سكن في مكانه. هناك شيء ما أعاقه، إنها تلك الخواطر أضرمت في ذهنه.

– غلاب، سأذهب إلى نعمة اليوم أيضًا، لقد أوحشتْني تلك الخبيثة.

قالتها سهر وهي تنثر كفيها المبللين، ثم تمسحهما في ثوبها، فأجاب غلاب بود مراوغ:

– أها، خيرًا تفعلين؛ فلقد أوحشني طه أيضًا، سأرافقك.

ردت سهر ببراءتها العذبة:

– لا يمكن أن نترك البيت وحده. ممممم، حسنًا سأذهب أنا اليوم، وندعوهما للعشاء -طه ونعمة-  يوم الجمعة.

– لقد أقنعتِني. إذن سأخرج الآن إلى المقهى. يمكنكِ أن تنصرفي وتتركي البيت بأمان؛ إذ لن أطيل هناك.

ارتدى غلاب جلبابه البني، واتجه خارجًا. إن الشك ينهش قلبه، وبالتالي اتخذ قراره؛ سيتبع سهر.

ودوى في عقله صدى عبارة زوجته:

“برسي سيحدث له ما يستحقه يومًا، اترك ذلك للقدر”

***********

كَمُن غلاب في طرف الشارع، وانتظر خروج زوجته. فجأة، طرأ ما لم يخطر بباله؛ سمع صفير الرياح من خلفه، خمن غلاب ماهية الصفير قبل حتى أن يلتفت؛ إنها الزوبعة!

وبنظرة جانبية رآها، كما لمح الظلال المبهمة التي تجول داخلها، ظلال لا تكف عن الدوران.

جاهد غلاب للفرار بجلده، فأدار ظهره للزوبعة موليًا الأدبار. تحول الأمر إلى سباق سرعة، الرجل في تحدي مع زوبعة، وبالطبع حسمت الثانية الفوز، فلحقت الأتربة الحلزونية بغلاب، واحتوته بين براثنها.

توقف منهكًا ليتمالك أنفاسه المتلاحقة بصعوبة، رحماك يا ربي! هذه إذن حقيقة الظلال، إنهم بالفعل غامضون يجلسون القرفصاء، منظرهم أقرب إلى الدراويش كما قيل مسبقًا، أو هم أقرب لكهنة قادمين من مشاهد  لفيلم خرافي، ويدورون حوله بسرعة رهيبة.

هذا في حد ذاته أمر مرعب؛ كيف يدورون وهم في الوقت ذاته قعود!؟

لم يفهم غلاب، ولم يتبق في عقله وعي كي يفهم. الغامضون يلفون بسرعة أكبر، فصار يميز -بالكاد-  حركتهم البرقية. التراب في كل مكان، لكنه -لسبب ما-  لم يزدحم أمام عيني غلاب، وكأنما قصد أن يرى بوضوح.

وصلت رهبة الصعيدي إلى ذروتها؛ إذ وجد التراب يتكاثف، ثم تعانقت ذراته مع بعضها البعض، وكوَّنت مشهدًا مجسمًا لزوجته، بالإضافة إلى خلفية ميَّزها غلاب لفوره؛ هناك قبور، شواهد، سبيل لسُقيا المياه.. إذن هي جبَّانة القرية.

تمرمغ مجسم سهر في التراب، وفي النهاية، أطل من الوجه المليح انطباع بشع، إن ملامحها نفسها لم تتغير، الذي تبدل هو طلة وجهها، فصارت أقرب للشياطين.

أشاح غلاب بوجهه بعيدًا، لا يستطيع أن يرى المزيد. أشار له الدرويش المواجه بإبهامه؛ إنه يطلب منه إعادة النظر.

– لا أريد، أنتم شياطين، شياطين تسمم صورة زوجتي.

أطلق غلاب رصاص كلماته بشحن مبالغ فيه، ونسي أن صورة زوجته مسممة أصلًا، وما خرج من بيته ساعتها إلا ليراقبها.

… (يتبع).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى)، من رواياته (وراء الحواس، قربان، ..).