وراء الحواس: السلعوة جـ4

أشاح غلاب بوجهه بعيدًا، لا يستطيع أن يرى المزيد. أشار له الدرويش المواجه بإبهامه؛ إنه يطلب منه إعادة النظر.

– لا أريد، أنتم شياطين، شياطين تسمم صورة زوجتي.

أطلق غلاب رصاص كلماته بشحن مبالغ فيه، ونسي أن صورة زوجته مسممة أصلًا، وما خرج من بيته ساعتها إلا ليراقبها.

هز المبهمون رؤوسهم نفيًا، ثم أشاروا له ثانية أن يتابع، وألح كبيرهم في الإشارة، وكأنما يقول:

“لا يزال هناك المزيد

لم يستطع غلاب كبح فضوله تمامًا، فأفلتت منه خائنة أعين، وانتبه أن زوجته لم تكن وحدها، إن شقيقتها نعمة معها، نعمة أيضًا يطرأ عليها نفس التحول؛ كلتاهما تتقدمان نحو القبور بثبات، تفتحان أحد المقابر الحديثة، وتقتاتا من لحم ساكنها، من الواضح أن سهر تفضل العنق؛ إذا رآها تقبل عليه بشهية واسعة.

أغمض غلاب عينيه بقوة، سعى لطرد الصورة البشعة، لكن للأسف ذلك لم يكن حلًا؛ فقد استرجع خياله ما هو أكثر قسوة؛ لحظاته العاطفية مع سهر، وانحدار قبلاتها إلى وجنته، ثم عنقه، وتحولها حينئذٍ إلى عضات.

“أخالني متزوج من وحش

قالها لها نزقًا في إحدى تلك اللحظات، ويبدو أنه نطق بالحق حينها، وإن لم يعيه.

تساءل غلاب وهو يكاد يجن: كيف كان مذاق جلدي تحت لسانها؟ أي طعم كنته؟ ولماذا لم تلتهم عنقه بدوري، فقد أسلمته لها بإرادتي ألف مرة؟!

لعل في الأمر خطأ؛ لا يمكن أن يكون الوجهان لنفس المرأة؛ كيف تجتمع الملائكية والتوحش داخل نفس الأنثى؟!

ذبح سكين الضياع عنق غلاب؛ فقد اختلطت داخله كل الحقائق، لم يعد يدري أي شيء. أخيرًا قرر التشبث بأمل أخير بزغ فجأة في رأسه. لعل زوجته مظلومة؛ فما يراه الآن ليس دليلًا، وما راوده -سابقًا- لا يعدو عن ظنون.

أولى غلاب ظهره للعرض المجسم، واندفع ساعيًا للهرب. في كل الأحوال، لن يثق في حقيقة يجسدها له غبار، ويقدمها له جان، فأخذ يجري ويجري، حتى اختلطت الاتجاهات عليه، ومهما عدا، لم يتغير موقعه في قلب الزوبعة، وكأنما تسير معه كظله، فيجد نفسه كما هو، في مركز دائرة الترابيين، جميعهم لهم نفس الملامح، والتي خيل لغلاب أنه رآها قبلًا. أطرق كبيرهم بأسف، بينما رفع كفيه جانبًا.

رفع غلاب رأسه إلى الأعلى، ورفع معها عقيرته:

– من أنتم أصلًا؟؟ ولماذا آلف وجوهكم كأنني أعرفها سابقًا؟! نعم، أنا لا أصدقكم، ولا أريدكم، فماذا تريدون أنتم مني؟

رفع الأكبر رأسه بعتاب أخرس، وسرعان ما اندمجت أجساد رفاقه في جسده ليصيروا واحدًا، وتقدم نحو غلاب ببطء.

واضح أنهم لا يتكلمون مطلقًا، لغتهم الصمت، ولسانهم هو ذاك التراب المجسم الذي ينذر عنهم.

تراجع غلاب، وقلب بصره بين كل الاتجاهات بيأس:

– ماذا تريد مني؟ ألم تسمع ما قلته؟! اتركني لحالي، اتركووني.

فرد الدرويش الأكبر كفيه إلى السماء، وتجمعت سحب ضبابية عند أنامله، ثم تاهت معالم جسده وراء زحام الغبار، وفي لحظة واحدة تلاشى هذا كله.

لفظت الزوبعة غلاب فجأة، تمامًا كما ابتلعته فجأة، حتى صفيرها العالي، تراجع ليخفت سريعًا.

التفت غلاب خلفه، فوجد الزوبعة ترحل حثيثًا، وتضاءلت كتلتها إلى حد كبير، فصارت في حجم رجل قائم، ثم كرة صغيرة، وأخيرًا تلاشت.

سقط غلاب ليرتكز على ركبتيه، وحارب لالتقاط أنفاسه:

– ياه!! أخيرًا نجوت!! أخيرًا غَرُبَ الكابوس!!

استغرق غلاب وقتًا لاستعادة ثباته، ثم تلفت حوله، ولفت نظره شيءٌ غريب؛ لقد حل الليل! كما أنه ليس أمام شارعه، إنه وسط المقابر!! يا رحمن يا رحيم!! كيف حدث ذلك؟! لقد كنتُ بجوار المقهى على أطراف النجع الشرقي، وعلى يميني دكان ولاد (شعبان)! بينما تبعد الجبَّانة عني بكيلومتر كامل! كيف اختصرت تلك المسافة إذن؟! أم أن الزوبعة فوق الزمان والمكان؟!!

إنها تحوي العجب العجاب، أفَتَراها تحمل الصدق أيضًا؟؟

ارتجف غلاب فرقًا وبردًا، وسار عدة خطوات إلى الأمام، فتحرك بين القبور بحذر، وأحس بشواهدها الحجرية تراقبه، بينما سعف النخيل على قممها يتوعده.

تفادى غلاب وطء المقابر بقدميه، تعثر -أحيانًا- بأكوام الحصى، وفي أحيانٍ أخرى، اشتبك سعف النخيل بجلبابه، لم يعرف إلى أين يتجه؟ وماذا يريد؟

تذكر بغتة، لقد خرج ليتعقب زوجته، عله يهتدي ويقتل شكوكه، ثم اعترضته الزوبعة. في تلك اللحظة انتبه غلاب إلى أصوات كزئير مكتوم، هذا ما كان ينقصه.

الأصوات قادمة من مدفن برسي وراء السبيل، تحرك غلاب من جديد، وحملته ركبتاه بالكاد، وهو يقترب أكثر.

وصل  غلاب  إلى  سبيل  المياه،  واختلس  النظر  من  ورائه،  هناك  جسدان

ينحنيان على القبر، ويشرعان في فتحه، لقد رأى غلاب ما يشبه ذلك منذ دقائق!

أدرك الرجل الحقيقة؛ أهل الزوبعة صادقون، لقد خرج يتقصى زوجته، فظن أنهم عرقلوا مخططه، ومنحوه مشاهد كاذبة عنها، الآن اكتشف كم ظلمهم!

لقد منحوه الحقيقة التي أرادها، وعندما رفضها منهم، لم يرضوا أقل من اختصار المسافة عليه.

انتفض غلاب مع انطلاق زمجرة جديدة، المفترض أنها -وياللهول!- تصدر عن سهر، أو -بالأحرى- ذلك المخلوق الذي عرفه باسم سهر.

– هيا، إن الجثة طازجة، لم أعد أطيق صبرًا من الجوع.

(صيحة تتقطر شبقًا)

– لقد علقت في القبر، هاتِ يدك معي وساعديني.

(زمجرة تنبض بالقسوة)

– إذن فلنكسر عنقه، ونخرجه.

(صوت لابشري يُعقب)

لم يمكث غلاب لحظة واحدة إضافية؛ فقد طار يسابق الريح، وتلقف الصدى نداء (سهر) الأخير، وأصر على فضحه مرارًا.

– …نكسر عنقه.

…ـر عنقه.

…ـنقه.

…ـه.

*************

لا يعرف غلاب كيف اهتدى إلى بيته، المهم أنه دخله كالبرق، وألقى نفسه على سريره.

زلزلت الرجفة المتواصلة جسده، فدثَّر نفسه بكل بطاطين المنزل، واستوطن

دنيا الدفء أسفلها. لحسن الحظ أن حسين لم يستيقظ، فوجدها غلاب فرصة لتمالك أعصابه.

إن تلك الزوبعة لم تكن لشياطين. آه لو رآهم ثانية! سيقبِّل أيديهم فردًا فردًا. إنها حتمًا لأرواح أجداده، نعم؛ فهو ينتمي لقبيلة الجعافرة، التي يعود نسبها إلى آل البيت، فلعل سلفه الشريف لم يرض له الزواج من امرأة بهذا الشكل، امرأة تفتح القبور مع شقيقتها، فإذا استعصى عليهما إخراج الجثة، قالت شقيقتها لها:

– إنه ثقيل جدًا، لا أستطيع إخراجه من القبر؟

فترد:

– إذن اكسري عنقه.

من الواضح أنها من قتل برسي؟

صحيح أن المرحوم أذل ناصية غلاب، وأن غلاب تمنى لو مزق كبده، إلا أنه لم يكن مخلصًا للدرجة في تلك الأمنية، ولا يرضاها بأي حال.

الآن عرف سر المر الذي لطالما شكت منه قرينته؛ إن طعامنا العادي يمثل لها هذا المر، بينما يطيب لها -فقط- ما اعتادته من لحوم البشر، هذه الذكرى في حد ذاتها جعلت حلقه يجف.

بعد نصف ساعة سمع غلاب صرير الباب. إنها سهر، لقد عادت.. لم يجل ذلك بذهن غلاب لوهلة، لقد ظنها ستختفي من حياته بعدما عرف، ونسي
-تمامًا- أنها لم تعرف أنه عرف.

– مساء الخير يا حبيبي.

لا تزال سهر -كدأبها- متألقة وفاتنة، وهو بالتحديد ما جعل الدماء تجف من جسده.

سألها في تثاقل:

– أين كنت؟

ردت سهر بتلقائية بريئة:

– ماذا حدث لعقلك يا أبو حسين؟! لقد كنت عند أختي نعمة، واستأذنتك قبل خروجي. بالمناسبة، (طه) قَبِل العزومة، وقادم يوم الجمعة مع نعمة.

حارب غلاب كي يظل طبيعيًا، وبذل في سبيل ذلك جهدًا خرافيًا. إنه لا يزال غير مصدق، هل هذه هي حقيقة زوجتي؟! هل هذه هي حقيقة أم ابني؟!

استدعى ذكريات لقاءاتهما الزوجية، عندما كان يشعر أن الفراش قطعة من الجنة، في هذه اللحظة شعر بالقيء، وشعر بألم مبرح في عنقه، تحديدًا من مكان عضاتها.

ترى من كان يضاجع حينها؟ أنثى؟ أم غولة؟

اتكأ غلاب على السرير منهارًا، وأزاح البطانيتين من فوقه، ثم تطلع إلى زوجته بسكون.

سهر والدلال يتقطر من كلماتها:

– ماذا دهاك يا رجل؟ لماذا تنظر إلى هكذا؟!

ارتبك غلاب، وبالكاد استجمع شتات أعصابه:

– أنا عَطِش يا سهر، ناوليني كوب ماء من الزير.

استمرت سهر بنفس موسيقى الدلال:

– أخاف من صوت بقبقته (صوت إدلاء الكوب في الزير).

لم يرق لغلاب ذاك الصوت الناعم، وإنما دقت في أذنه ساعة الحقيقة، ونظر إلى النجوم من طاقة المنزل الحجري، فوجدها جميعًا تحضه على الإقدام، وتشاركه لعن هذه المرأة. وهكذا اتخذ قرار.

أنهى غلاب حالة الـ (بين بين)، وأضرم النار في كل الحلول الوسط، بينما يعقب بجفاء قاس:

– ولماذا لم تخافي كسر عنقه؟

***********

اختفت سهر من حياة غلاب، ولم تنسَ أن تصحب معها نعمة.

صار ذلك حديث القرية طويلًا، لماذا رحلت؟! وما سبب انفصال الزوجين السعيدين؟! لقد كانا مرتبطين بشدة والكل يحسدهما على سعادتهما، لعل غلاب يذوب حزنًا من الرحيل، ومتأثر بشدة من طلاقها، يا لها من نهاية مفاجئة، ووداع مفاجئ؟!!

غلاب لن ينسى هذا الوداع ما حيًا، لقد انقلب وجه سهر تمامًا، صحيح أنه رأى هذه التغيرات مرتين، إحداهما في الزوبعة، والأخرى في المقبرة، إلا أنها لم تكن بذاك القرب.

تجمد غلاب في مكانه، تطلع حوله في بطء؛ إن العصا بعيدة عن متناوله، حيث تستند إلى قدم السرير، أما الفأس فمعلق على الحائط في المقعد.

(المُقعد) هو مسماهم الدارج لغرفة الضيوف.

ندت عن غلاب حركة عصبية، فوجد سهر -أو للدقة من كانت سهر- قد انتقلت كالسهم، فصارت في مواجهته تمامًا.

لفحت أنفاسها وجهه، بعد أن كانت تدفئه سابقًا.

– إذن فقد عرفت!

أسند غلاب ظهره إلى الحائط وصارحها بأنه لم يعد يعرف شيئًا، لم يفهم حتى الآن: معقول أنها وسهر كائن واحد؟!

مدت يدها إلى وجنته، فكهربته لمستها:

– بل هذه هي الحقيقة. يا للأسف! لقد عشقتك بحق، وأنت أفسدت حياتنا بفضولك.

قفز غلاب جانبًا، إن العصا على بعد ذراع منه، دحرج نفسه على الأرض، ثم
انتصب واقفًا ليتحرك في اتجاهها، راقبته السلعوة بسكون، ورقص التلذذ في عينيها.

أمسك غلاب عصاه في يده، وواجه بها الكائن:

– بل أيقظت نفسي من وهم زائف.

– جميل، ألم تلاحظ شيئًا عجيبًا فيك الآن؟

لوح غلاب بالعصا مرتجفًا، أي إدهاش سيلاقيه أكثر مما فيك أنتِ؟!

أخبرته أنه ها هو يظهر معدنه، ويقهر الجبن في الوقت المناسب، ذكرته بأنه لطالما لفتت نظره لذلك، ولم تصدق، كما أن بوسعه أن يهدأ روعه، إذ تؤكد لن تؤذيه.

– لم أصدقك وأنتِ سهر، فكيف آمنك وأنت سلعوة؟!

مدت سهر يدها إلى ضفائرها، وأطلقتها لتطير بصحبة ظلمة الليل:

– لولا أنك والد ابني، لبالفعل جعلت منك طعامي.

تراجعت سهر، وقالت دون أن تحول بصرها عن غلاب:

– وداعًا يا من شاطرته نفس الوسادة يومًا، حاول أن تتذكرني.

انتبه غلاب لأول مرة أن حسين استيقظ، ولذهوله فإن الفتى لم يصرخ! أسرع يحتضن ابنه ويدفن رأسه في صدره، بينما استمر حسين على جموده، مراقبًا أمه المبتعدة:

– أمي لا تتركيني.

– أنا لم أتركك يا بني، أنا أعيش بك وفيك.

رحلت السلعوة سهر، رحلت إلى الأبد، ولم تترك لغلاب سوى بعض الآثار في جسده، تحديدًا آثار قبلات على وجنته، وعضات على رقبته، وأخيرًا…… غصة من المر في حلقه.

… (يتبع).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى)، من رواياته (وراء الحواس، قربان، ..).