وراء الحواس: بومة تحلق بجناح واحد جـ2

تدافع الجميع يرتصوا لأجل الرقصة النوبية على صوت منير. تتضمن الرقصة صفوفًا متتالية، يتحرك الرفاق فيها على إيقاع واحد.

الشيء الوحيد الذي لا تتضمنه، أن يتجمد محسن في مكانه، فيحسر رأسه ناظرًا إلى الأسفل، ثم يرتعش لثوان كالمحموم.

قلقوا بشدة من غرابة أطواره، والمحير أكثر، أن هذه الحالة تستغرق ثوانٍ فحسب، ولا يلبث أن يعود لطبيعته، كأن شيئًا لم يكن!

تقدم ابن عمه معتصم، فأحاط كتفي العريس بذراعيه، يستوقفه:

– أأنت بخير؟

أجاب محسن بهدوء وغرابة شديدين، بينما يدعك جبهته بكفيه، ثم يهبط بهما إلى وجنتيه:

– نعم، وما الذي يمكن ألا يجعلني بخير!؟

استشعر عمرو وجود روح غير مفهومة تجثم في المكان، وازداد يقينه مما حدث فيما بعد، عندما انهمك محسن في مصافحة بعض المدعوين، بينما عروسه على المسرح.

صاح به ثابت:

– يكفي! فلتذهب لترقص مع عروسك.

– لماذا!؟

استغرب الجمع من الاستفهام المباغت، فهتفوا به:

– هيه، لا تكن خجولًا.

– وكيف أخجل من فتاة أكرهها كما أكره نفسي بالضبط!؟

ضحك الشباب من حوله؛ لعله يقصد العكس، وقلب العبارة على سبيل الدعابة، والأدهى أنه تكلم بجدية وحنق كادا يقنعانهم فعلًا، بينما في الثانية التالية مباشرة، عادت ملامح محسن إلى الإشراق، وصعد إلى حيث شريكة عمره القادم.

كانت تتمايل كزهرة عباد شمس، في رقصة مع بعض صغيرات العائلة على المسرح، ثم دارت عجلة المنغصات تعكر الفرحة الكبرى؛ إذ قدَّمت نهلة كوبًا من العصير إلى العروس، إلا أنه انسكب فجأة على الثوب الأبيض لصباح.

مر الموقف بأن اعتذرت نهلة، وهي تستعين بابتسامة خاوية، فصحبت النسوة صباح لتغيَّر فستانها. مجملًا، انتهى مشروع رقصة المشتركة للعروسين، بالسكتة القلبية.

طائر الفرحة يرفرف على ليلتنا ما بين ابتعاد واقتراب، ولا نعلم أين يحط في النهاية.

***********

اقترب أربعين محسن، فاستجاب معتصم لطلب زوجته أن تبيت عند أمها، وبررت بالإعداد لذكرى الراحل، ومساعدة والدتها بعمل (المنين) -خبز يوزعونه في أربعين الموتى- ومن به ثم الخروج إلى المقابر.

جاءت الصبية هاجر تلهث إلى نهلة.

– يا خالة نهلة، يا خالة نهلة.

– ماذا هناك يا فتاة؟ خيرًا؟!!

تحدثت الصبية بفيض لاهث من كلماتها، وإشارات يدها:

– أمي رأت بومة على عمود الإنارة، فتقول لك انتبهي على الصغير.

* دستور التراث الشعبي:

مادة 3:

في كل مكان على أنحاء المعمورة، يحمل ظهور البومة رمزية خالدة للشؤم.

أما في قرى أسوان، تقوم بأدوار أخرى أفزع؛ إذ يشيع أنها تتغذى على دماء الرضع، تحوم حول أي بيت فيه وليد جديد، ثم تتحين الفرصة لتدفع منقارها في أنفه، وتستنزف دماءه حتى آخر قُطيرة.

أسرعت نهلة إلى صغيرها، يلهو على الأرض برفقة لعبة قديمة.

ضمته إلى صدرها بقوة زائدة، ففزع الرضيع ليبدأ في البكاء.

– نام يا حبيبي نام، وأذبح لك جوزين حمام.

التهم التوتر روح نهلة، وفقدت أعصابها جراءه، فهتفت في هاجر التي تعلم يقينًا أنها تتفرج في الخارج:

– هاجر، ألم تنصرف البومة؟

جاءها الرد مدثرًا بسحابة من الهدوء:

– نعم، انصرفت.

أعقبت هاجر كلامها بنفس السكينة:

– كم هو منظر فاتن يا خالة! ليتك رأيتِه!

– أي منظر هذا؟!

– منظرها. لم أتخيل يومًا أن أرى بومة تطير بجناح واحد!

***********

تجاهلت نهلة كلام هاجر؛ فمن ذا الذي يلتفت إلى خيالات الأطفال، خصوصًا فيما يصل لدرجة (بومة تحلق بجناح واحد).

يا لها من خرافة خصبة وجديدة تمامًا!

في اليوم التالي قبيل الشروق، رأت نهلة البومة وجهًا لوجه أول مرة، تقف على أعلى نقطة في شجرة الصفصافة.

ابنها على مرمى ذراع منها، فأسرعت إليه تضمه بين جوانحها.

– لن تستطيعي أن تمسي ظفره يا بنت الـ(..).

دفنت محسن الصغير في صدرها أكثر، في حين دققت النظر إلى الأعلى، ألحت عبارة هاجر في النقر داخل رأسها:

 “لم أتخيل يومًا أن أرى طائرًا يطير بجناحِ واحد”

تقدمت خطوتين فقط، عجزت عن المجازفة أكثر لأن الطفل بين ذراعيها، ثم صوبت بصرها مستعينة بأضواء الشمس الوليدة، فوجدت أن البومة لم تمنحها فرصة، وحلقت إلى الأعلى.

أجفلت نهلة وتراجعت إلى الخلف بتشكك؛ البومة طارت بميل حاد لجسدها نحو اليسار، ميل لا يمكن أن يكون طبيعيًا بالمرة.

– ماذا بك يا نهلة؟!

خرج الصوت الواهن لوالدتها حاملًا تساؤلها الحائر.

– لا شيء يا أماه، لا شيء.

غلّبت نهلة احتمال أن البومة بها مرض أو إصابة، فاعتقدت الصغيرة هاجر أنها بجناح واحد.

**********

اليوم هو أربعين محسن.

انهمكت نهلة في إخراج أقراص خبز (المنين) من الفرن، سيأتي جيرانها وذويها بعد قليل، ويخرجون بها معًا إلى المقابر.

جلبت جلبابًا قديمًا، وغطت السلة كي لا تتركها عارية لنقرات الطيور، وفجأة وجدت رياحًا غريبة تسبح في فراغ الفناء، أتراها مقدمة للزوبعة التي تثرثر عنها القرية؟!

تجمدت نهلة من الذعر، حيث مُثِّل أمامها أبشع كوابيسها: البومة!

هذا حقيقي إذن، تأكدت نهلة أنها ظلمت هاجر؛ فضيفتهم بجناح واحد بالفعل.

المشكلة الأولى: أنه يقف بينها وبين طفلها، بمعنى أن أي محاولة منها ستكون متأخرة.

الثانية: هناك احتمال مُلِح أن يكون ما أمامها ليس بومة فقط، لا يوجد كائن يطير بجناح واحد، إلا إذا كان عفريتًا متمثلًا في هذه الهيئة، في هذه الحالة، ستصير المهمة أصعب، ومع ذلك، عندما يتعلق الأمر بابنك تنسى كل ما عدا ذلك.

جرت في اتجاه البومة تضرب بذراعيها الهواء، وبالجلباب القديم في يدها، فخرج هتاف ثلجي من البومة:

– انظري إلى جلبابي القديم في يدك، كم هو متسخ؟ أرأيتِ كم أنتِ شقيقة مهملة، تتكاسل عن غسل ثياب أخيها؟

تجسدت البومة في لحظة إلى جسم رجل، لا حاجة بنا إلى تخمين اسمه.

توسلت نهلة باكية:

– سامحني يا محسن. لم أُرِد لما حدث أن يحدث، ما سحرت لك إلا كي تحبني كما أحبك، كنت أريدك بالكامل لي.

أكمل محسن الحديث عوضًا عنها:

– فوجدتِ من غير الممكن أن يحب أحدٌ بالسحر، لكن يمكن أن يبغض!

– أنت من أثار جنوني، ولم يفلح نَفْثي في العُقَد في جعلني أنالك، كما أثرت أنت جنوني أكثر عندما خطبت تلك الـ… صباح.

ما حدث أن أول ما كرهه محسن -وهو ما لم تتوقعه الأخت- كره ذاته، وليس صباح؛ لأنها أحب إليه من نفسه، حتى انزلق به الصراع الداخلي الحاد إلى.. الانتحار.

استعاد محسن جزئيًا تحوله للبومة، في حين تصاعد دوران هالة الغبار من حوله، نظرت نهلة إلى طفلها بهلع.

– أرجوك دع طفلي! أقلها أنه يحمل اسمك، يذكّرني بعشقي لك.

– ألم تفهمي بعد يا شقيقتي!؟ لم آت لأجله، بل لأجلك أنت.

تجمدت نهلة في مكانها كالمسحورة، لم تصرخ أو تستنجد؛ بشكل ما ارتضت ما سيحدث لها أيًا كان.

جاءت نسوة الأربعين بعد ربع ساعة، فوجدن بكاء طفل رضيع، وجثة امرأة تنزف الدماء من أنفها، بالإضافة إلى صمت الرحيل، الذي خلَّفته بومة.. تطير بجناح واحد.

(تمت)

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى)، من رواياته (وراء الحواس، قربان، ..).