1- مراجعة (الوباء): سلسلة سافاري

• كتب: رايفين فرجاني.

◄ الحبكة:

السيرة الذاتية لوباء في أفريقيا، من الولادة إلى الوفاة، ومعه توفى المئات (قل الآلاف) من البشر.

ومثل أي سيرة ذاتية، تتمحور أبرز ثلاث محطات فيها حول:

1- الولادة: ظهور المرض- اكتشاف المرض- التصدي للمرض.

2- النضج: انتشار المرض- توحش المرض- ذروة الصراع.

3- الموت: الحلول وبدائل الحلول- مناعة القطيع- نهاية المأساة.

وقد بدأت بعثور أحدهم على القنينة حاملة الفيروس، ثم ظهور أول مريض يحتضر من المرض في وحدة سافاري وصولًا إلى حرق قرى بأكملها بأحياءها وأمواتها.

رواية قصيرة لا تحمل أي تعقيد في الحبكة ولا تطورات في الأحداث، لا قصص فرعية ولا مشكلات زائدة، ولا انعطافات من أي نوع، عدا ربما بعض التفاصيل هنا وهناك وإضافة مهمة في نهاية القصة؛ عندما يتضح أن مصدر الفيروس الذي يواجهوه، لكن حتى تلك النهاية أتت مبتورة مختزلة في الصفحات الأخيرة القليلة دون مزيد من التوضيح، ومع ذلك تظل لفتة تطرح التساؤل.

كانت الرواية تحتاج المزيد من التطويل في موضوع ثري ومثير، ولكنها تجنبت الاختزال بشكل مبتذل عدا في الشطر الأخير. عدا ذلك فمسار القصة وحده والذي يتبع سيرة الوباء ممتع للغاية وشيق بدرجة كبيرة.

زمن الرواية: العام 1995، بطلها: فيروس وبائي من نوع الحمى النزفية، ذات تأثير دموي ينزف المصاب بها من فتحات جسده التسعة -هذا أسوأ الأعراض- ويموت خلال ساعات، حيث فترة الحضانة يوم ويموت المصاب في أقل من يوم، والظاهر أنه ينتشر بسرعة عن طريق الطعام والشراب والهواء واللمس، أو لا أحد يعلم بالضبط وسيلة الإنتشار.

تبدأ الأعراض بارتفاع في حرارة الجسم وألم في العضلات واحمرار العينين واحتقان في الحلق وصولًا إلى الصورة المريعة والأخيرة في الميتة البشعة لضحية غارقة في الدماء التي تسيل من كل جسدها.

الوباء هو كافاموجورو (أو داوا لدى الأفارقة مثل أي مرض يترادف مع السحر الأسود) وتعني (العيون التي تنزف دمًا)؛ في وصف لأقوى أعراض المرض وأكثرها فتكا ودموية.

◄ الإيقاع:

تقدم الرواية للقارئ تجربة مريعة عن كيفية انتشار الأوبئة في بلد بلا توعية ولا رعاية، والآثار الكارثية المترتبة عن ذلك. أما في وقتا -وقت كتابة هذا المقال- فالرواية تعد جرعة غير هينة من الرعب على القارئ في عصر اليوم وقد خاض أهوال جائحة الكورونا.

مثلما وضحنا بالأعلى فالروية تركز على سيرة الوباء كأن البشر صاروا مهمشين حوله، وأتت الفصول كالآتي:

المقدمة؛ وهي مربكة تفصل القارئ عن الأحداث قبل حتى أن يدخلها.

1- عوامل الطرد.

2- عوامل جذب.

3- أنجاونديري.

تقديم للبطل الرئيسي للسلسلة والشخصيات الأساسية حوله.

4- العيون التي تقطر دمًا.

5- عقد الحميات النزفية.

6- الوباء يتحرك في الظلام.

7- إنه هنا.

8- في المعزل.

9- مريض ومرضى.

كما نرى؛ فعناوين الفصول وحدها مخيفة توحي بالرعب الحادث، وتحكي ما يحدث فكأننا لم نعد بحاجة لقراءة الفصول نفسها. وفي ذروة الأحداث من الفصل السادس إلى الثامن يضع الكاتب فقرات تقديمية تدب الجزع في قلب القارئ وتشعره بالعجز الملتف حول شخصيات القصة، خاصة لما تأتي في صورة تداعي الأفكار المميز في أسلوب أحمد خالد توفيق.

وعلى ظهر الغلاف ينبئنا النص بحجم الكارثة:

– فى قلب الأحراش الإفريقية تحرك فى بطء.. ترعرع .. ثم بدأ يحبو فيمشى فيهرول فيرمح فى سرعة جنونية.. مبعثرًا الدماء والموت فى كل صوب.. تاركًا وراءه خطًا من القبور والجثث المحترقة..

10- المهمة المستحيلة.

11- مشكلة الإياب.

12- الإعدام.

تقدم الفصول الثلاثة الأخيرة المشكلة للنهاية الانعطافة الوحيدة في القصة، تتعلق بمصدر الوباء الحقيقي.

◄ الخطاب:

كان 2020 الميلادي عامًا كارثيًا شهد ظهور جائحة الكورونا ومعه المرور بعدد غير قليل من المتغيرات على الصعيد الإجتماعي والثقافي والعلمي. وعلى الصعيد الفني زاد الإهتمامي بأدب وسينما الأوبئة، والتنقيب في كل منهما عن أعمال صارت من الكلاسيكيات أو باتت تعد كذلك.

ومن أدب الوباء يطل علينا خبير الوبائيات -أستاذ طب المناطق الحارة بجامعة طنطا- بتحفته عنها في سلسلة سافاري، والتي يحتل فيها الوباء مساحة غير قليلة من رواياتها بحكم أن السلسلة تتمحور حول مطاردة المرض في أفريقيا.

مستفيدًا بخبرته في ذلك المجال، يستعرض المؤلف لنا محطات تطور الوباء منذ ظهوره مرورا بانتشاره وصولًا للقضاء عليه أو هو يذهب لحاله. ثم معرفة أسباب خروج الوحش من معقله، مع ذكر لعدد من الأوبئة المخيفة التي مرت على تاريخ البشرية في حرب طويلة لا تنتهي بين الحيوانات المتكلمة والحيوانات الدقيقة.

هي لاسا، إيبولا، ماربورج، الحمى الصفراء،  الإيدز، الكوليرا، الطاعون، الدنج، الكورونا. الأخير لم يذكره الكاتب ولكن يضيفه قارئ اليوم تلقائيًا في ظل الأحداث الجارية، ولعل الكاتب قد تنبأ به.

♣ تحذير: الجزء التالي يحوي حرقًا للأحداث.

◄ لعبة المؤامرة:

واحدة من أبرز الأفكار المطروحة في الرواية هي نظرية المؤامرة التي ستظهر مرة أخرى في أعداد لاحقة؛ حيث يتضح أن الفيروس ناتج عن طفرة جينية، و«في قدرته على العدوى وسرعة انقسامه.. وطفرة كهذه لا تتم بهذه السرعة ما لم تكن بفعل فاعل.. هناك من تلاعب بقواعد الهندسة الوراثية الخاصة بالفيروس.. وأنتج هذه السلالة عاتية الشراسة».

ويربطها أحمد خالد بميل الإنسان إلى قتل أخيه الإنسان. قائلًا على لسان علاء عبد العظيم:

– الإنسان هو أكبر أحمق عرفه الوجود.. حتى النعامة لم يبلغ درجة حمقها أن تضيع الوقت باحثة عن طريقة لقتل النعام.

والتساؤل الذي يطرح نفسه في آخر الرواية، كما يقول أحد القراء على جود ريد:

– هل خفافيش اليوم هي المسؤولة، أم أن الإنسان فعلًا أغبى من النعامة؟

◄ رؤية مستقبلية:

«إن كل الأوبئة تنتهى بعد فترة إذا تم السيطرة علي مصادر انتشارها.. فالمرضي يموتون أو يشفون و الجرثومة تضعف.. لكن من الواضح أننا ما زلنا في المنحني الصاعد للوباء». وكأن أحمد خالد توفيق يلخص لنا معاناة السنة السوداء 2020م مع وباء الكورونا.

◄ ميشيل جوبير:

عالم عبقري في علم الميكروبات وهو الشرير الرئيسي في الرواية، والذي لا يظهر فيها ولكن يظهر أثره الماثل في ثلاث قنينات تحمل أطوارًا مختلفة من فيروس إيبولا، ساهم في تخليقها مقابل ثروة مليونية من المال.

نعرف قصته على لسان الشخصيات وبشكل رئيسي من خلال رسالة انتحار تركها مع القنينات قبل أن يذهب إلى مصيره.

يمثل جوبير نموذج الشرير السطحي ذو البعد الواحد المجسد للشر النقي؛ حيث يعبر عن نفسه قائلًا:

– لو خيّروني بين دمّل في أنفي وبين أن تزول نيكاراغوا من على الخارطة لما تردّدتُ لحظة، دمامل الأنف مؤلمة للغاية.

عن لأبعد مدى

مبادرة أدبية متخصصة، تأسست عام 2014م.