3- مراجعة (أسطورة رأس ميدوسا)

♣ كتب: رايفين فرجاني.

• الحبكة:

يتم استدعاء رفعت إسماعيل من قبل صديقة له لمساعدتها في حل لغز يتعلق بالعثور على رأس ميدوسا أثناء كشف أثري تحول عقبه المكتشف إلى حجر.

هذه هي أقوى روايات سلسلة هادم الأساطير بالتوازي مع النداهة؛ حبكة بوليسية جيدة وظف فيها حيلة ذكية متعلقة باللغة، حيل اللغة سترجع مرة أخرى في أسطورة العشيرة. نهاية منطقية وغير متوقعة بالرغم من أنها لم تكون بالقوة المطلوبة.

أقرب الخدع -التي هدمها رفعت إسماعيل بصفته هادمًا للأساطير- للحقيقة مع أيقونة رعب مقتبسة من الأساطير الإغريقية، في أول مغامرة لرفعت إسماعيل في اليونان. ثغرة أخرى تتجلى في الحبكة متمثلة في الدعوة التي تلقاها رفعت إسماعيل؛ نفس الدعوة كانت في مصاص الدماء ووحش البحيرة، لماذا يدعوه هؤلاء القوم دومًا للمصائب!

• الإيقاع:

إيقاع بوليسي ممزوج بالرعب -يتخلله بعض التطويل- أقرب إلى عوالم الريادة لأجاثا كريستي وآرثر كونان دويل. ناتج عن حبكة محكمة حيث تتعقد الأمور أكثر كلما توالت الأحداث ويصير اللغز أكثر استغلاقًا مع أجواء غامضة ملبدة بسحب الميثولوجيا الإغريقية، التي لم تمطر وحوشًا في النهاية، بالرغم من كم الوحوش المتواجد في الافتتاحية، الصالحة كقطعة نصية متفردة بذاتها. تذكرني بصياغة دريني خشبة للميثولوجيا الإغريقية في ترجمته المعنونة “أساطير الحب والجمال عند اليونان”. وهي مقدمة توحي للقارئ أنه أخيرًا سيدخل إلى أسطورة حقيقية، ليأتي رفعت ويهدمها فوق رؤوسنا وفوق رأس صديقته تابيثا.

تعد الرواية ككل اقتباسًا جيدًا من الميثولوجيا الإغريقية المظلوم حضورها والغائب ذكرها في السلسلة. بالرغم من أن فتح الصندوق الذي به رأس ميدوسا يسترجع للذهن فتح رفعت لاحقًا في السلسلة لصندوق بندورا. بندورا وميدوسا هما أفظع نساء الأساطير اليونانية، (يقتبس أحمد خالد أسطورة بندورا لاحقًا في رواية أخرى من السلسلة).

ونستعرض المقدمة مرة أخرى ها هنا، وهي المعنونة في الفصل بـ(الأسطورة):

– تقول الأسطورة الإغريقية إن برسيوس البطل المغوار كان واحدًا من هؤلاء الأبطال الذين تزخر بهم الأساطير اليونانية، شديد الوسامة، شديد البأس. وهو -كالعادة- ابن زيوس من امرأة بشرية.

وعلى حين كان إخوته من الأب يمارسون أعمالهم؛ هرقل مشغول بقتل الهيدرا، وأطلس منهمك في رفع الكرة الأرضية (وهو اعتقاد شائع وخاطئ لأنه يرفع قبة السماء مشكلًا عامودًا فيها وليس الكرة الأرضية)، وبرومثيوس معلق بين الجبال يتلقى عقابه الأبدي،  وجاسون يبحث عن الفروة الذهبية. كانت هناك مهمة أكثر تعقيدًا -ولم يقل أصعب- تنتظر برسيوس.

كانت كاسيوبيا الحسناء المغرورة قد بالغت في غرورها ووقاحتها إلى درجة أثارت حنق سادة الأوليمب؛ لهذا سلطوا على جزيرتها الفيضانات والزلازل. ثم جاءت الطامة الكبرى حين أرسلوا إلى الجزيرة وحشًا مرعبًا اسمه الكراكون (مخلوق بحري عملاق أقرب إلى الأخطبوط)، وكان هذا الكراكون يطلب -كالعادة- أن يقدموا له القرابين البشرية، وإلا أغرق الجزيرة بما عليها.

وهكذا وجدت كاسيوبيا نفسها مرغمة على تقديم ابنتها الجميلة أندروميدا لإشباع شهية الكراكون الشره،  ستصير أندروميدا الضحية القادمة ما لم يحدث شيء ما.

في هذه اللحظة يصل برسيوس إلى الجزيرة. وطبعًا يقع في حب الفتاة المختارة لقربان التنين، ويصمم على قتل الوحش لإنقاذ فتاته، ولكن كيف؟

إن هناك طريقة واحدة لكنها أفظع من التنين نفسه.. رأس ميدوسا!

إن ميدوسا وأختيها هن أشنع ما ذكر في الأساطير اليونانية من مخلوقات (يوجد الكثير من المخلوقات الأخرى التي لا تقل هولًا عنهن مثل غولة البحر سكيلا)، ويسمونهم (الجرجونات الثلاث). لقد كانت ميدوسا وأختاها فتيات طبيعيات جدا؛ حتى غضب عليهن (زيوس) فأحالهن إلى….

أولًا: تحولت الأيدى إلى نحاس.

ثانيًا: ازددن بشاعة -الأحرى أن يقول تبدل جمالهن بشاعة- وصارت ألسنتهن مشقوقة كألسنة الأفاعي.

ثالثًا: تحول شعرهن إلى ثعابين ذات فحيح، ولدغتها قاتلة.

رابعًا: وهذا أسوأ ما في الأمر- صارت نظرتهن كافية لتحويل من تلتقي عيناه بأعينهن إلى حجر.

خامسًا: نفين إلى جزيرة في البحر المتوسط لم تحددها الأسطورة، حيث يعشن في الكهوف  وسط عشرات التماثيل الحجرية لأولئك البحارة التعساء الذين ألقى بهم الحظ العاثر على شاطئ تلك الجزيرة.

إنه عقاب قاسي، لكنه ليس أقسى عقاب في الأساطير الإغريقية (وهنا يأخذ اقتطاعة ذكية لمزيد من التجوال في الميثولوجيا الإغريقية)، فكما ذكرنا كان هناك:

– عقاب بروميثيوس (يقتبس أحمد خالد أسطورة بروميثيوس بشكل رمزي في رواية أخرى من السلسلة) الذي قُيد بين جبلين وفي كل يوم يلتهم كبده الرخ (نسر عملاق قيل أن جناحيه كفيلتان بحجب الشمس)، وفي الليل ينبت له كبد جديد.

– عقاب سيزيف العبثي (ما حل بسيزيف وبروميثيوس من الأحكام الأكثر عبثية في تاريخ الأساطير والأدب وقد ساهما في إلهام شيلي وكامو برائعتيهما فرانكنشتاين وسيزيف) الذي حكم عليه بدحرجة صخرة إلى قمة الجبل فكلما وصل القمة سقطت الصخرة للسفح.

– عقاب تنتالوس (لا يقل هولًا والله) الذي كلما حاول الشرب هرب الماء منه، وكلما حاول الوصول لتفاحة ارتفعت الأغصان إلى أعلى. (هناك عقاب مشابه نفذته طيور الهاربي في فينوس -ليست الإلهة فينوس بالطبع- الأعمى).

والآن، عليك يا برسيوس أن تقطع رأس ميدوسا!

ولكن كيف؟ كيف يمكن مواجهة مخلوق بهذه الصفات؟ دعك من السؤال الأهم: كيف تقتل مخلوقا دون أن تراه؟!

لكن برسيوس -مثله مثل هرقل وثيذيوس- بطل إغريقي أصيل، يبحث عن المتاعب حيث وجدت، ويحمل قدره على كفه ولا يملك الاختيار، لهذا يروق كثيرًا لسادة الأوليمب، ولهذا يتلقى زيارة من هرمز (رسول الآلهة) يحمل إليه بعض الهدايا التي تبرع بها كل من وجد لديه شيئا يتبرع به؛ الخوذة التي تخفي من يترتديها، والسيف الذي لا يضرب إلا ويصيب هدفه، ثم الدرع البراق الشبيه بالمرآة.

والآن ينطلق برسيوس مع رفاقه عبر مياه البحر المتوسط قاصدين جزيرة الجرجونات الثلاث. بالطبع حدثت لهم مئات المصائب والغرائب في رحلتهم مثل ما حدث لجالون وأوليس العائد من حرب طروادة، ونحن لا نعرف مسار الرحلة بالضبط ولا الجزيرة المختارة لكن من الواضح أنها قريبة جدًا من جزيرة كريت.

دخل برسيوس كهف ميدوسا وقدماه ترتجفان كالـ(جيلي) وهذا حقه، حوله عشرات التماثيل الشنيعة لبحارة ماتوا قبل أن يفهموا ما الذي قتلهم، الوجوه الصارخة، الأكف المرفوعة!

كيف شعروا في اللحظة التي خرجت لهم ميدوسا من الكهف لترمقهم بعينيها الداميتين؟

هل فهموا لحظتها أن حظهم العاثر اختار لهم -بين كل جزر البحر المتوسط- جزيرة الجرجونات الثلاث ليغرقوا عندها؟

ترى هل تألموا؟

إذا لم يكونوا قد تألموا فلماذا صرخوا؟

أسئلة عديدة لابد أنها دارت في رأس برسيوس ورفاقه وهم ينسلون في حذر ما بين التماثيل باحثين عن ضالتهم، عالمين أن هذه التماثيل ستزداد عددًا بعد دقائق ما لم تحدث معجزة ما.

(وصف رائع للرعب الذي يجتاح أعضاء المهمة بأسلوب أحمد خالد الساخر)

إن من رأوا مثل هذه المشاهد في فيلم (صدام الجبابرة) -والتي خلقتها عبقرية ساحر المؤثرات البصرية راي هاري هاوزن- لن ينسوا هذا الجو الكابوسي أبدًا، إلا أن ميدوسا لم تكن تزحف كالثعبان ولم تكن تطلق السهام، ولم تكن تعيش وحدها!

والآن (هذه ثالث تتكرر كلمة «الآن») تصحو ميدوسا من النوم وتفح الثعابين في شعرها، فيخفي الرجال وجوههم خلف الدروع، وتصرخ.

– من ذا الذي يجرؤ على إزعاج ميدوسا؟!

فيصيح برسيوس مداريًا وجهه:

– أنا برسيوس، جئت لأقتلك.

وتتقدم ميدوسا -شقيقتاها نائمتان لحسن الحظ- نحو أول الرجال فيتعثر وتلتقي عيناه بعينيها فيصرخ صرخة رعب لا توصف، ويتحول لحمه إلى حجر.

وهنا توجد نهاياتان مختلفتان للأسطورة.

النهاية الأولى: تقول إنها رأت وجهها في انعكاس برسيوس فصرخت وتحولت لحجر.

النهاية الثانية: تقول إنها تقدمت نحو برسيوس الذي استجمع شجاعته وحاسة المكان عنده ليطير رقبتها بضربة واحدة ثم يبادر بالفرار قبل استيقاظ أختيها.

إن هناك نتيجة واحدة مؤكدة -إذا أمكننا أن نقول ذلك عن أسطورة- هو أن برسيوس قد قتلها، ولم يمس شقيقتيها، وأنه عاد بالرأس في كيس ليظهره أمام الكراكون في اللحظة المناسبة قبل أن يبتلع هذا الأخير حبيبته أندروميدا، وليتحول الوحش إلى تمثال حجري، وتسود السعادة البلاد.

الآن (مرة أخرى «الآن» والأخيرة) حق لبرسيوس أن يستريح ويتزوج ويهنأ بالًا، أما نحن فلن نستريح حتى نعرف الإجابة على سؤالين.

ماذا حدث للرأس؟ وماذا كان مصير الجرجونتين الباقيتين؟ بالنسبة للسؤال الأول لم تتفق الأساطير على إجابته:

ثمة حكايات تقول أن برسيوس رمى الرأس في مياه البحر، وثمة حكايات تقول إنه أهداه لهيرا زوجة زيوس لتتخلص به من أعدائها، وثمة حكايات تتجاهل الأمر برمته تاركة ذلك لخيالنا.

السؤال الثاني ظل -وسيظل- بلا إجابة: ماذا حدث للشقيقتين؟

والآن تعالوا نغلق كتاب الأساطير تاركين (عودة أخيرة لعالم الأساطير اليونانية) برسيوس مع عروسه الجميلة، وثيذيوس في المتاهة مع المينوطور (يقتبس أحمد خالد أسطورة المينوطور لاحقا في رواية أخرى من السلسلة)، وديدالوس يرفرف بجناحين من شمع مع ابنه إيكاروس الذي أرجو ألا يقترب كثيرا من الشمس. (يقتبس أحمد خالد أسطورة إيكاروس بشكل رمزي في رواية أخرى خارج السلسلة)، لنترك هذا العالم الساحر ونعود إلى أرض الواقع.

إلى الجزيرة الصغيرة الهادئة حيث يقوم عالم الآثار اليوناني ستافروس دندرينوس ببض الحفريات، وحيث ستحدث كارثة بعد قليل.

ويؤكد على حضور الأسطورة أسلوب تداعي الأفكار المميز في السلسلة، والعبارة التي تتكرر فيه أكثر من مرة:

– تري هل تألموا؟ إذا لم يكونوا قد تألموا فلماذا صرخوا؟!

• الخطاب:

كما تبينا في النداهة فالمرأة لها حضور مخيف شيطاني في الأساطير حول العالم، وفي ميدوسا أسطورة تجمع بين المرأة والعين، العين الشيطانية / السحرية لها حضورها العالمي أيضا، فنجد لدى الغرب في مهدهم الإغريقي؛ ميدوسا والسايكلوبس، وحتى أودين الأعور من الأساطير الإسكندنافية. وفي حاضرهم نجد؛ العين الماسونية، ولدى الشرق نجد أماتيراسو التي ولدت من عين الآلهة، وعند العرب نجد الحسد والمسيخ الدجال.

وميدوسا حاضرة في الثقافة نجد ذكرها في عدد من من الأعمال، مثل جحيم دانتي اليجيري في الكوميديا الإلهية، ومن ثم الجحيم لدان براون. ولا نحتاج للتعريف بها فقد فعل على الكاتب في مقدمته المذكورة أعلاه.

عن لأبعد مدى

مبادرة أدبية متخصصة، تأسست عام 2014م.