التقنيات الفانتازية (6) بناء العوالم الوهمية

• كتب: محمد الدواخلي.

حينما نتحدث عن عمل قراءة نقدية لأي عمل أدبي (خصوصا الأصناف السردية) يتضمن هذا مراجعة لنقط أساسية في العمل: الحبكة، الشخصيات، الصراع، العمق، التعامل مع الزمن، التقنيات الأدبية، إلخ.

أدب الفانتازيا (الذي يشكل السرد -بالذات الرواية- الأغلبية الساحقة منه) لا يشذ عن هذه المعايير، لكنه يحتاج لرؤية خاصة، لمعايير مخصصة تقيس مدى نجاح الكاتب في تطويع خياله والتفاعل معه؛ فدراسة الحبكة لن تقتصر على خيوطها ونتائجها ودوافعها بل ستتوسع لتشمل العالم الخيالي الذي بناه الكاتب.

الشخصيات الفانتازية تحتاج لدراسة خاصة وفهم مختلف لنفسيتها، نفسية ممتلك القوة الخارقة لن تستطيع مقارنتها إلا بنفسية إمبراطور روماني منفرد القوة ككاليجولا أو كيوليوس قيصر في سنواته الأخيرة. الصراع الداخلي في قلب رجل تفصله عن حبيبته استحالة فيزيائية كالانتقال بين الأبعاد يختلف حتمًا عن الصراع الداخلي في قلب روميو الذي يعاني من أحقاد الأهلين، أما اختلاف التعامل مع (الزمن، البطولة، النبوءة) عن الرواية الواقعية فهذا يفتح بابًا ضخمًا لدراسة التقنيات الأدبية الفانتازية.

بإذن الله، ستكون هذه سلسلة مقالات أحاول المشاركة فيها مع زملائي في (فانتازيون) لتوضيح نقاط معينة تختلف فيها الفانتازيا (وأنماط من الخيال العلمي والرعب) عن بقية ألوان الأدب (كالواقعية مثلًا) وتحتاج إلى اهتمام ومعالجة نقدية خاصة، فحين تقرأ رواية تنتمي للفانتازيا لا يكفي في تحليلك لشخصيتها إظهار علاقتها مع المجتمع وعمق مشاعرها وتفاعلها مع الأزمة إلخ، تأثير (السحر- القوة الخارقة- الخطر العجائبي) على هذه الشخصية أمرًا يستحق الاهتمام.

في الخيال العلمي لا يكفي مناقشة الحبكة والصراع في العمل، بل يجب مناقشة الفكرة العلمية ومدى اتساق النظرية الحقيقية مع معالجة الكاتب لها.

طبعًا هذه الأدوات التي يحتاج الكاتب (والقارئ الذي يناقش الرواية) إلى معرفتها وفهمها لا تغني عن بقية الأدوات النقدية الأخرى، لكنها تكملة هامة لها مرتبطة وخاصة بالفانتازيا، وسنبدأ برصد بعض التقنيات أو الحيل الأدبية.

* * * * * * * * *

■ تقنية العوالم الوهمية:

هي التقنية الأكثر ألفة عند النقاد والكتاب، تحدث عنها أكثر من كاتب ولفتت الانتباه في عالمنا العربي مع نجاح ثلاثية سيد الخواتم التي تقدم نموذجًا للعالم المنسي في التاريخ، وهاري بوتر التي تقدم نموذج العالم الكامن وراء الجدران. وهي تقنية ضخمة جدًا ربما تحتاج لكتاب خاص بها لدراستها الشاملة حتى أن هناك تصنيفًا للفانتازيا مبني على استخدامها، فالفانتازيا التي تستعين ببناء عوالم افتراضية تسمى بالفانتازيا الأعلى High Fantasy والتي لا تستخدمها بالفانتازيا الدنيا low fantasy، نكتفي هنا بنظرة سريعة، ولكن ضرورية عليها وعلى بعض حيلها ونتائجها.

تقنية العالم الوهمي ليست قاصرة على الفانتازيا، الخيال العلمي يستعين بها خصوصًا في شكل (الكوكب الآخر). في الأدب الواقعي، الهروب إلى عالم خيالي عبر الأحلام ليس بالغريب، أما الحديث عن عالم الإنترنت الافتراضي فإنه يتجاوز أحيانًا حدود الأدب وصولًا إلى أرض الواقع.

أشكال هذه التقنية متعددة جدًا، كما ذكرنا ففي أدب الخيال العلمي افتراض عالم مختلف ومنفصل عن عالمنا في كوكب آخر أو بُعد/كون موازي، لسكانه قدرات ومخلوقات وحياة مختلفة عنا.

أ- الجانب الخفي من العالم:

لجأ تولكين إلى تقنية العالم القديم المختفي حيث عاش البشر في الماضي جنبًا إلى جنب مع الجن (ومفهوم الجن في الأدب الغربي مختلف تمامًا عنه في الأدب العربي) والأقزام وغيرها من المخلوقات (المادية) ذات القدرات الفائقة، لكن مع تطور الحضارة انفصل البشر واختفت هذه المخلوقات عن العيون.

العالم الكامن وراء ما تراه العيون هو الملاحظ في هاري بوتر، حيث يعيش السحرة في عالم كامل بمخلوقاته وحيواناته ومبانيه وسط البشر، لكنهم مختفون عنهم. يعيش ويرى الساحر ما يراه البشري العامي، لكن العكس غير صحيح لأن عالم السحرة مختبئ.

ب- العالم الموازي:

في المقابل هناك صورة العالم الموازي، عالم آخر يمضي مستقلًا تمامًا عن عالمنا لكن توجد ثقوب توصل بين العالمين يمر منها الأبطال. أحيانًا يشغل هذا العالم نفس مساحة الأرض لكنها غير مرئية (كعوالم الجن عند العرب) أو مستقل تمامًا حتى في سريان الزمن كما هو الحال في مدونات نارنيا.

الكواكب الأخرى والحضارات الفضائية ذات تواجد ملحوظ في أدب الخيال العلمي وقليل من تطبيقات الفانتازيا. الانتقال بين الأبعاد (أو العوالم الموازية لعالمنا) له أشكال كثيرة من ضمنها الانتقال إلى عوالم الجن كنموذج فانتازي.

بالنسبة للمهتم بالفانتازيا المحلية تبدو عوالم الجن كنموذج قديم ومتميز في هذه التقنية. الاستخدام القديم لعوالم وهمية في الحكايات الشعبية كانت إما في صورة الجزيرة المنعزلة أو الكهف/النفق السري السحري أو عالم الجن الموازي لعالمنا بممالك وطرق ومدن مختلفة رغم أنها تشغل نفس حيز الفراغ لعالمنا البشري المادي.

هناك طبعًا الحديث عن ما وراء العالم كما في كتاب العظمة، وهو كتاب قديم يرجع للعصر الأموي، يحاول فيه كاتبه افتراض ما وراء عالمنا وصولًا إلى السماء السابعة ثم الكرسي والعرش المذكورين في التراث الديني، وهو يمر خلال ذلك بعوالم تخيلية ضخمة تحتوي عالمنا كجزء صغير منها.

استخدام عالم الجن حديثًا محدود، ربما في رواية حسن الجندي مخطوطة ابن اسحاق نموذج تجديدي يحاول استخدام هذه المادة الثرية في أدب الرعب، لكن على أي حال فالفانتازيا العربية مازالت طفلًا صغيرًا لم يعتد بعد الاعتماد على مكوناته التراثية.

* * * * * * * * *

■ مشكلات متكررة في العوالم الفانتازية+ أبرز الحلول:

في خلق العالم الوهمي أو الافتراضي تقابل المؤلف عدة مشاكل ومحاذير.

المشكلة الأولى: (مخالفة المنطق الطبيعي للأمور)؛ فرغم كون العالم الذي افترضه الكاتب متخيلًا لكنه غير قادر بالطبع على خلق وتفصيل كل جزء فيه.

لو فعل فسيكون إغراقًا قاتلًا في تفاصيل غير هامة، حيث أن الشكل والمكان في الأدب عمومًا -سواء كان فانتازيًا أو واقعيًا- هو مجرد وعاء للحدث والحوار وزيادة حجم الوعاء تخنق المضمون وتقتله. استعراض عضلات خيال المؤلف قد يسحق العمل سحقًا.

هنا يكتفي المؤلف بخطوط عامة وافتراضات محددة ويترك فراغات هذا العالم يملؤها القارئ من ذهنه بتفاصيل العالم الطبيعي، لذا فإن لم يحدد المؤلف خاصية معينة لعالمه فإن ما قد يحدث من تناقض مع الواقع والمنطق يثير ضيق القارئ وتحفظه.

كمثال:

لو افترض الكاتب وجود عالم تحت الماء، حين يتحدث عن النباتات الموجودة والصباح المشرق فسيصطدم مع الافتراض المنطقي والطبيعي بأن أشعة الشمس غير قادرة على اختراق طبقات الماء لتصنع نهارًا مشرقًا، ولن ينفعه حديثه عن أنه عالم خيالي لأن إجادة تصميم هذا العالم جزء من عملية الكتابة.

المشكلة الثانية في العالم المتخيل هي الاضطرار إلى الخوض في الكثير من التفاصيل، وهي بالطبع مرتبطة بالمشكلة الأولى، فالمؤلف مضطر لأن يضع قوانينًا وقواعد عالمه للقارئ لكي يفهمها، هذا يشغل مساحة كبيرة من العمل ولو وضعت مرة واحدة فقد تمثل جزءًا مملًا وكاشفًا للأحداث بينما لو جزأها حسب الاحتياج لاستخدامها فسيقع في فخ الاستسهال أي أنه يضع الحل التخيلي السهل لبطله كلما احتاجه.

هناك عدة للتغلب على هذه المشكلة منها:

– المناورة ببراعة بحيث يختصر المؤلف الوصف قدر المستطاع، فهو يختزل أوصافه ويعتمد على ملأ الفراغات بدرجة كبيرة على واقعنا الحقيقي مكتفيًا بذكر المعالم أو الفروق الرئيسية لعالمه الافتراضي.

– وضع فصل تعريفي في بداية القصة يحوي كل التفاصيل، مخصص بوضوح لشرح هذا العالم الوهمي.

– تخصيص فصل كامل أو نصف فصل يشرح هذا العالم برغم من أنه أحيانًا يمثل خروجًا عن لغة السرد، لكنه قد يلعب دورًا مهمًا في الأعمال الضخمة المتشابكة حيث يمثل خريطة يرجع إليها القارئ كلما احتاج.

– جعل البطل غريبًا على هذا العالم يتعرف عليه مع القارئ ويكتشف أسراره جزءًا جزءًا كلما وجهته الأحداث.

هنا نستخدم حيلة (التعلم التدريجي) لترك مساحة أكبر لخلق الأحداث مع تواجد تبرير أدبي لوضع تفسير وشرح الظواهر الغريبة المختلقة وسط الأحداث.

– طريقة أخرى هي خلق أحداث أو حوارات ثانوية تشرح شكل/تاريخ/خصائص العالم التي سيحتاجها الكاتب في الرواية وتوضع موزعة في الرواية بترتيب مختلف عن احتياج البطل لها، المسألة شبيهة بتقنية الزرع، حيث يسمع البطل أو يمر بتجربة تمنحه معلومة غير مفيدة أو تمنحه أداة غير هامة، ثم بعد ذلك يتعرض لموقف منفصل تمامًا بعد فصول عدة يستخدم فيه هذه الأداة أو المعلومة.

الفارق هنا أن المؤلف لا يستخدمها لمساعدة البطل وإنما لمساعدة القارئ عبر رسم خريطة للعالم المتخيل.

مثلًا: يفترض للبطل أن يقوم برحلة للحصول على هدف ما فيأتي شخص يحذره ويقول: أتريد الذهاب إلى كذا؟ سيكون عليك المرور بمخاطر كذا في مدينة كذا، ثم تعبر البحر، ثم تمشي في الصحراء إلخ.

الغرض من هذا التحذير يتمثل في رسم جغرافيا سريعة لرحلة البطل، ويمكن إضافة الديموغرافيا أو الرسم السكاني للجغرافي، فمدينة كذا هي الموطن الرئيسي لمخلوقات كذا التي تعيش على لحوم البشر وتطير بسرعة خارقة إلخ. ولا يقابل البطل هذه المخلوقات في تلك المدينة وإنما يحتك بها في موقف آخر فيتعرف عليها القارئ من خلال حديث الشخص الذي حذر البطل سابقًا، وهكذا هلم جرا، تحذير ما هنا وحكاية عن مغامرة هناك ووصف لجار أصله من مكان غريب كمدخل لوصف هذا المكان، في النهاية يتجمع شكل هذا العالم الافتراضي تدريجيًا عبر الأحاديث والمغامرات الثانوية تلك.

مشكلة ثالثة عكسية يتعرض لها مستخدم تقنية العوالم الوهمية، وهي الإفراط في الغرابة أو الإفراط في البعد عن الإنساني، فلو أتى المؤلف بعالم يسكنه البط مثلًا كمخلوقات عاقلة مهيمنة، واستخدم لهذا العالم دراسات في نفسية الطيور فهو يتحدث عن أعشاش وعن عملية وضع البيض وعن مشاكل نفسية بسبب نقص الأعلاف وعن تمشيط الريش إلخ، فهنا يحدث انفصال وغربة عنيفة للقارئ عن أبطال المؤلف.

مهما كانت غرابة العمل وحب القارئ للخيال فهو في النهاية يريد أن يرى نفسه (على الأقل على مستوى المشاعر وردود الأفعال) في شخصيات العمل الذي يقرأه. الإسراف في الغرابة ليس دليل براعة في الخيال وإنما تنفير للقارئ.

هناك مشكلات أخرى معتادة غير مرتبطة بالفانتازيا ذاتها، كتناقض الكاتب مع نفسه، يحدث هذا في الأعمال المتعددة الأجزاء حيث ينسى الكاتب قاعدة وضعها في بدايات الكتابة ويذكر ما يخالفها في الجزء السادس. إعادة قراءة ما كتبته يكون مفيدًا جدًا في هذه الحالة!

ضعف دوافع الأبطال فالكاتب يجعلهم يمرون بمغامرات هائلة لأجل أسباب غير مقنعة للقارئ لا تعود بالنفع على البطل، مثل هذه المشاكل والسلبيات سنحاول بإذن الله مراجعتها في سلسلة مستقلة عن مشاكل وتقنيات الكتابة ورسم الشخصيات. وهو ما سيكون موضوعًا عامًا وليس مقتصرًا على الفانتازيا.