الحاوي.. مستخرج الثعابين..

• كتب: شاكر علي.

عندما نذكر كلمة (حاوي)، فأول ما يتبادر إلى ذهن المتلقي صورة رجل يلبس قبعة كبيرة ويرتدي ملابس مزركشة  يقدم استعراضًا بالثعابين كالتي تقام أمام ساحة مسجد الفنا في المملكة المغربية الشقيقة، تلك الاستعراضات تحقق رواجًا كبيرًا بالنسبه للسياح وتم تصويرها في أفلام هوليودية شهيرة.

كذلك لا نقصد الصورة المغايرة علي الجانب الآخر من العالم، فالاستعراض بالكوبرا الهندية على أنغام الطبول والمزمار يستحوذ علي جانب عظيم من الشهرة، فالهندي المعمم الذي يعزف علي المزمار وأمامه سلة من الخوص تخرج منها كوبرا متمايلة مع حركة المروض. بغض النظر عن انتزاع غدد السم والأنياب منها بالإضافة لعدم احتواء الثعابين علي أذن خارجية من الأساس فهي لا تسمع، لكننا سنتحدث عن مستخرجي الثعابين من بيوت القرى في أسوان، ولكن يجب في البداية الحديث عن الطبيعة الجغرافيه لقريتي.

♠ تمهيد لابد منه:

لو استعرنا حدقتي صقر يحلق في عليائه سنرى أن قريتنا الهادئة تقبع على أطراف الصحراء الشرقية لمصر، فهي في المنتصف بالضبط ما بين جبال (تلال) تفصلها عن وادي أم الحصى من جهة الشرق، تليها بيوت القرية كشريط ضيق يمتد من الجنوب للشمال، ثم شريط السكك الحديدية فالأراضي الزراعية التي تقتات منها الأهالي طوال العام، ثم نهر النيل فالتلال الغربية المطلة على الصحراء الغربية.

وتبعًا لهذا التكوين للقرية فهمي متاخمة للصحراء، وكلما ضاقت المناطق بأهلها هرعوا إليها يسوون التباب لبناء بيوت جديدة لتستوعب التمدد السكاني، ذلك السلوك وغيره جعل مواجهة الإنسان للثعابين والعقارب أمر شبه يومي، فكلما ألقت الصحراء بقيظها علي المنطقة بساكنيها، تخرج الثعابين لتتلمس الرطوبة تحت أي شيء يمثل مصدر للظل فلا تجد سوى بيوت الأهالي وحظائر مواشيهم وقن طيورهم، وقد تصادف الإنسان نفسه فتحدث الكارثة.

♠ أنواع الثعابين:

تحفل أسوان عمومًا وقريتنا بالتبعية بتشكيلة من الأفاعي والثعابين تتباين في شكلها وحجمها وسلوكها، لكنها تتفق من حيث خطورها علي حياة الإنسان، فلدغه في في مكان حيوي تعني الموت المحتم؛ لبعد القرى عن المستشفيات المركزية التي يتوفر فيها الأمصال.

ومن تلك الثعابين:

– النفاخ الصعيدي: يسمى كذلك بالكوبرا النوبية، وهو ثعبان يصل طوله إلى مترين، يمتاز بقدرته على نفث السموم عند إحساسه بالخطر، ينتمي سمه إلى النوع العصبي.

– الكوبرا المصرية: وهي ذات شهرة واسعة وقد انتحرت كليوباترا بلدغتها قديمًا، وهي ثعبان خطير يقتل ضحاياه في لحظات إذا لم يتوافر المصل.

– الطريشة: أو أم جنيب، وهي ثعبان يدفن نفسه في الرمال وطوله لا يتعدى المتر، تمتاز بالخجل وتهاجم عند شعورها بالخطر، وقد نسج الوعي الشعبي عنها الأساطير حول قدرها على القفز لتلدغ رجل يركب جمل، وهو ما أنكره العلم، ولديها سلوك قمة في الشر، فعند لدغ ضحيتها تعمد على تكسير أسنانها بداخله حتى يموت، توجد أنواع منها ذات قرون فوق رأسها، فتسمى بالأفعي المقرنة.

كل هذا بالإضافة إلى وجود العقارب التي تحدث وفيات أكثر من الثعابين؛ لسهولة دخولها المنازل والاختباء داخل الملابس والأمتعة.

كل تلك الظروف أدت إلى ظهور مهنة اختلف العلم في تفسيرها هل هي معرفة أم دجل؟

♠ الحاوي:

يمشط شوارع القرية وهو يلبس عمامة ضخمة ويحمل جرابًا جلديًا أقرب لشكل الطبلة المقلوبة، يدب الأرض بعصاه الرفيعة في ثقة قائد عسكري على وشك تحقيق النصر، ملامحه لا تدع مجالًا للشك بأنه ليس من أهل القرية، لهجته تؤكد ذلك، يتجاوز الدروب بخفة، وعند الوصول إلى المنزل المطلوب، يقرع الباب بعصاه مناديًا:

– يا أهل الدار، هنالك آذية.

بعد مساوامات يتفق على الأجرة فيدخل ليخرجها من تحت الأمتعة أو من داخل الحظائر، ليضعها في جرابه الجلدي ويقبض أجره ويمضي.

في بعض الحالات، يرى صاحب المنزل الثعبان، أو يستنتج وجوده عند نفوق الماشيه نتيجه للدغ -لدغ الثعابين يسبب إنتفاخ في جسم الضحية- مع عدم وجود مرض سابق فيعرف صاحب المنزل بوجود ثعبان يمرح في فنائه أو حظيرته، فيسارع بالإتصال بالحاوي لإخراحها.

يقول الحاوي عن نفسه بأنه حامي قسم سيدي أحمد الرفاعي الذي أعطاهم السر الأعظم في ترويض الأفاعي فهي تطيعهم ما لم يقتلوا أحدها، وفي سبيل ذلك يجتمعون في كل عام في مسجده ليدفعوا اشتراكًا، ويأخذوا زجاجة من عطر مخصوص يضعها الحاوي في يديه قبل الخروج للعمل، فتطيعه الثعابين بلا تردد وتخرج من أوكارها خاضعة ليضعها في الجراب الجلدي.

رأيت علي مدار سنوات عمري الكثير من الحواة ورأيت الثعابين التي يقومون بإخراجها من بيتنا وبيوت الجيران، فالكثير منها يبدأ بالفحيح عند وصول الحاوي إلى باب البيت وحتى قبل أن يطرقه، ليبدأ هو بالنداء عليها، لتخرج من أماكن ظاهرة في البيت سعيًا إلي يد الحاوي، بعضها يقاوم وينفث السم في وجهه، والبعض الآخر يرضخ للأمر الواقع.

رأيت بنفسي في أحد المرات أبو القاسم الحاوي المعروف في قريتنا يستخرج كوبرا من أسفل تنجيد خالي قبيل الفرح بأيام، وكذلك أخرج طريشة رقطاء من حوش الغنم الخاص بنا، وعرض علّي أن أمسكها، ولكنني أعاني رهاب الزواحف وحركة كتلك يمكنها أن تسبب لي نوبة قلبية، لكن أبي أمسكها بيده بمنتهى السلاسة، فلقد نسيت أن اذكركم بأن ابي قد قام الحاوي بمحاواته!

وتلك ظاهرة أخرى.. فقد يعمد الحاوي إلي محاواة أحد الرجال (في مقابل مادي) فينقل له بعض من قدراته في التعامل مع الثعابين، فيصبح الشخص منيع ضد لدغات الثعابين ما لم يخون العهد ويقتل أحدها أو يحاول حتى، هو بالطبع لن يعمل حاويًا وينافس من قام بمحاواته ولكنه يتمتع ببعض الحماية.. كذلك يوجد قسم للعقرب فيحظي بنفس الحماية من لدغاتها القاتلة طبقًا لنفس الشروط.

تسلل السؤال إلي عقلي:

– ما هو مصير تلك الثعابين؟

فكانت الإجابة بأن الحاوي يطلقها في الصحراء بعيدًا عن الأهالي، فهو حافظ للعهد ولا يستطيع قتلها لأن ذلك يعتبر خيانة، ولن تأمن له الثعابين بعدها أو تنفذ تعليماته، إلا إن أحد الحواة قالي لي بأنه يذهب بخرجه إلى مسجد السيد احمد الرفاعي (يقول في الإسكندرية) فيفرغ محتوى جرابه برفق، فهناك الثعابين المختلفه الأنواع والأحجام تعيش بسلام، ويجب عليه الدخول حافي القدمين حتى لا يدوس عليها، ولكني أراها مبالغة كبيرة من صاحبنا ومحاولة لصنع بطولة زائفة.

تتداول الوصفات الشعبية أشياء كثيرة لطرد الثعابين من المنازل، كحرق شعر الماعز، وتعليق نبات الشيح في قطع من القماش حول المنزل لأن الرائحة تجعل الثعبان في ضيق شديد يدفعه للهروب، وكذلك نثر النشادر في أركان البيت لرئحتها النفاذة.

♠ طرق علاج اللدغات:

اعتادوا قديمًا ربط العضو المصاب بعدة أربطة ويتم فصده لإخراج السم، هذا في حالة لدغات الثعابين. أما في حالة لدغ العقرب فيتم وضع قطعة من جريد النخل الأخضر وتلاوة العزائم المختلفة. كان الشيخ عامر يقرأ الفاتحة لأربعين مرة على الملدوغ بغير كلمة آمين، وعلم تلك الطريقة لوالدي فكان يستخدمها.

قد يقال أحيانًا:

– أقسمت عليك أيها السم أن تخرج من العظم إلى اللحم، ومن اللحم إلى الجلد، ومن الجلد إلى الشعر، وأن تخرج ولا تعود بسر سيدي أحمد ساكن التابوت.

وهناك أبيات تقول:

كفاك ربك وكم يكفيك واكفه

كفكافها ككمين كاد من كلك

شككته تحكي أكفاك ما كفاك الكافي

كربته يا كوكب بكاد يحكي كوكب الفلك

تكاثرت الأقاويل حول هذه الأبيات، فهنالك من ينسبها لشاعر حبسه أحد الامراء وأقسم بأن لا يخرجه من السجن حتى يأتي بأبيات شعر فيها أربعين حرف كاف.

وهناك من ينسبها لأحد مريدي الشيخ احمد الرفاعي.. والله أعلم..

♠ رأي العلم:

تطور علم الأحياء كثيرًا في العقود الماضية، وأصبحت القنوات المختلفة المهتمة بالحياة البرية في كل منزل تبث طوال ساعات اليوم، البرامج المصور حول مختلف الكائنات الحية وطريقة عيشها، بما فيها الثعابين، ففي السنوات الماضية أصبحت تربية الثعابين مهنة وليست مجرد هواية. فمن تلك المزارع تحصل مراكز البحوث علي السم المستخدم في استخراح الأمصال، وكذلك الحصول علي جلودها التي تدخل في بعض الصناعات؛ نتيجة لذلك تم سبر أغوار حياة الثعابين، وأضحت مهنة الحاوي ضربًا من الخرافة، فمن العلم عرفنا بأن الثعابين لا تألف البشر ولا تنصاع لأوامرهم، وأن محادثة الثعابين وأمرها بالخروج يثير الضحك، لأن الثعابين لا تحوي أجسادها على آذان خارجة كبقية الحيوانات وأنها تسمع من خلال جلودها، وأن معرفة الحاوي بوجود ثعابين يرجع إلى أنه هو من يقوم بإخراجها من خرجه وتركها لتدخل المنازل، بل أن بعض الحواة يلجأ إلى السحر فيسحر أعين الناس ويقوم بتصوير العصي أو الحبل كأنه ثعبان كسحرة موسي عليه السلام.

وأيًا يكن من أمر فمهنة الحاوي موجودة -وإن قلت- رغم فقدان الكثيرين الإيمان بصاحب الكرامات المتحكم في الثعابين.