تراث السرد العربي (1 /3) كليلة ودمنة

• كتب: وسام الدين محمد عبده.

انصرف من شعبان أسبوع وبقي ثلاث، أكتفي بها من هذا الشهر، حتى إذا دخل رمضان المبارك، خصصناه بما يناسبه من كتب؛ وقد خصصت لهذه الأسابيع الثلاثة الباقية، ثلاثة من عيون التراث السردي العربي، الأدب النثري الذي ينطوي على قصة، وقد اخترت أن أبدأ بكتاب كليلة ودمنة، وهو وإن لم يكن أصله عربي، إلا أنه قد جرى تعريبه، حتى أصبح من أمهات الأدب العربي، وقد نقله عبد الله بن المقفع عن أصل فارسي، وكان هذا الأصل الفارسي قد ترجم عن اللغة الهندية قبل نحو قرنين من زمن ابن المقفع.

تبدأ الترجمة العربية للكتاب، بتتبع أصل الكتاب نفسه، والذي يرجعه ابن المقفع إلى كتاب قد وضعه حكيم هندي يسمى (بيدبا)، ألفه لعاهل الهند في زمانه (دبشليم)، وجعله دليلًا إلى ما «يحتاج إليه الملوك في سياسة رعيتها وإقامة أودها وإنصافها»، وكان قد «قد مٌيزت أبوابه، وأثبتت عجائبه على أفواه الطير والبهائم والوحش والسباع والهوام وسائر حشرات الأرض»، وقد اختار له بيدبا هذا الشكل، حتى يسهل فهمه على العامة والخاصة، ويذيع بين الناس ولا يدرس مع الأيام، وكان له ما أحب.

ثم يبين ابن المقفع كيف انتقل الكتاب إلى اللغة الفارسية، عبر ما يشبه بعملية جاسوسية؛ إذ ظل ملوك الهند يكتمون هذا الكتاب في بلادهم، إلى أن بلغت كسرى فارس أنباء عن هذا الكتاب الذي تسند إليه عظمة ملوك الهند، فينتخب من بين رجاله الطبيب (برزويه بن آذرهربد) يرسله إلى الهند بغية الحصول على الكتاب وما يقدر عليه من الكتب التي يحتاج إليها الملوك.

ذهب برزويه إلى الهند مدعيًا أنه جاءها طلبً للعلم والأدب، وتسلل إلى الطبقة الهندية العليا، حتى يصبح صديقًا لأحد النبلاء الهنود المسمى (أزويه)، والذي على الرغم منه كشفه أمر برزويه، إلا أنه يساعده على تحقيق مراده، وهكذا نسخ الكتاب إلى اللغة الفارسية.

الكتاب عبارة عن محاورة طويلة بين دبشليم الملك والحكيم بيدبا، وقد سمي الكتاب كليلة ودمنة، إشارة إلى شخصيتي كليلة ودمنة؛ حيوانان من بني أوى؛ الشخصيتان الرئيستان في الحكاية الافتتاحية والأطول من الكتاب، وتدور هذه الحكاية حول مؤامرة كليلة للوقيعة بين الأسد الملك بنكله، وصاحبه الثور شنزبه؛ وتنجح المؤامرة ويقتل الأسدُ الثورَ، وإن جرح الأسد جرحًا بليغًا في المعركة؛ ثم يندم الأسد، ويطلب التحقيق في الأمر، لتنكشف مؤامرة كليلة وخيانته.

تشغل قصة كليلة ودمنة القسم الأكبر من الكتاب، وتتخللها عشرات القصص القصيرة، والتي يتشارك بطولتها البشر والحيوانات؛ فإذا انتهت راحت العديد من القصص تتالى في إطار حوار دبشليم وبيدبا إلى أن ينتهي الكتاب؛ وجميع الحكايات المروية في الكتاب، لها أهداف تعليمية مختلفة.

نقل عبد الله بن المقفع الكتاب إلى اللغة العربية، وكان ابن المقفع فارسي الأصل، ولد مجوسيًا ثم أعتنق الإسلام، ونقل العديد من الكتاب من اللغة الفارسية إلى اللغة العربية، ويبدو أن تورط في خلاف مع أحد عمال بني العباس انتهى به إلى أوقع به هذا العامل وعذبه حتى قتل تحت وطأة التعذيب الوحشي.

على الرغم من أصله الأعجمي إلى أن ابن المقفع كان قد شب في بيئة عربية، حيث نشأ في البصرة، فجمع بين طلاقة الفارسية لسان أسلافه، والعربية لسان بيئته؛ وهو ما يمكن لقارئ كليلة ودمنة أن يلمسه في رشاقة الأسلوب وجزالة الألفاظ، مع حفظه لبنية الكتاب القصصي الأصلية.

ومن المدهش، كيف شاء القدر أن تصبح الترجمة العربية لكليلة ودمنة هي الأصل الوحيد الكامل والباقي عن الكتاب الأصلي؛ ذلك الكتاب الذي أعتبره الهنود من بين أسرارهم السياسية، وركب برزويه الفارسي الأخطار وقام بالمغامرات حتى يتمكن من أن يجلبه للفرس؛ فأما الأصل الفارسي فقد ضاع، وأما الأصل الأول الهندي، فقد ضاع أكثره، واضطرب ما تبقى منه، فلما أراد بعض المستشرقين جمع ما تبقى من الأصل الهندي لم يسعه إلى أن يعتمد على الترجمة العربية لتنقيح الأصل.

وقد تداول الناس الكتاب منذ ترجمته لطرافة موضوعه وظرف محتواه، لذلك لم تعدم نسخة من مكتبات العالم الإسلامي شرقه وغربه؛ وفي العصر الحديث طبعه المستشرق دي ساسي في باريس عام 1816، وعن هذه النسخة طبعت طبعتي بولاق الشهيرتين في عامي 1833 و1835.

اعتمد محمد حسن المرصفي على طبعة بولاق في إعداد نسخة خاصة لوزارة التربية والتعليم المصرية صدرت عن المطابع الأميرية في القاهرة عام 1927، وقد استخدمت نسخة المرصفي بمثابة كتاب للمطالعة في المدارس المصرية، ولذلك زينت برسوم تدور حول حكايات الكتاب، وهذه الطبعة اليوم من نفائس المطبوعات.

ثم قام الدكتور عبد الوهاب عزام بجمع أصول مخطوطات الكتاب، وطبعاته المختلفة، واتبع الأسلوب العلمي في تحقيق مادتها، وأصدر تحقيقه عام 1941، وهي أدق طبعات الكتاب، وقد طبعت بعد ذلك عدة طبعات عن دار المعارف المصرية كان آخرها عام 1960؛ وهي نفسها النسخة تعاد طباعتها إلى اليوم، طبعتها في ثمانينات القرن العشرين دار الشروق البيروتية، وطبعتها في العقد الماضي الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية، وتسطو عليها عشرات دور النشر المجهولة فتعيد طباعتها وقد حذفت المقدمة العلمية لعبد الوهاب عزام، وربما وضع أحدهم اسمه كمحقق أو مصحح عليها.

تقبلوا مودتي.