تراث السرد العربي (2/ 3) البخلاء- الجاحظ

• كتب: وسام الدين محمد عبده.

لا يمكن أن نتعرض لتراث السرد العربي دون الوقوف مع الجاحظ؛ والجاحظ واحد من ثلاثة أدباء بلغ النثر العربي ذروته معهم، ونحن اليوم ندين لأقلامهم بالكثير من النثر الذي نستعمله، وهؤلاء الثلاثة الجاحظ وابن قتيبة الدينوري وأبي حيان التوحيدي، ومن لم يقرأ كتب هؤلاء النفر الثلاثة فلا حظ له من النثر العربي.

ولذلك كان من العسير اختيار أحد كتبه لتناولها اليوم، والرجل من أعمدة العربية، وكتاباته غزيرة ومتنوعة؛ ثم رأيت أن أختار كتابه البخلاء، لطرافة موضوعه من ناحية، ولأنه أقرب لأن يعكس ثقافة الجاحظ وعقله؛ ويعتقد بعض مؤرخي الأدب العربي أن الجاحظ قد ألف كتابه البخلاء في مرحلة متأخرة من حياته، وذلك بسبب كم الخبرات التي حشدها في هذا الكتاب، والتي لا يمكن أن تتأتي لشاب يافع، وكتاب البخلاء عبارة عن ديوان جمع فيها الجاحظ أخبار أشهر البخلاء في زمانه، وفلسفتهم في البخل، والطرق التي يتفننون بها في البخل بما بين أيديهم.

لا يمكن فهم كتاب البخلاء ودوافع الجاحظ في تدوينه، دون أن نفهم طبيعة العصر الذي عاش فيه الجاحظ، عصر تعرضت فيه الثقافة العربية لهجمة شرسة من دعاة الشعوبية الفارسية بغية تشويه كل ما هو عربي؛ وقد كان الجاحظ في هذه المعركة حاضرًا، منافحًا عن العربية لغة وقيمًا، ناقدًا وناقضًا الشعوبية بقلمه؛ وفي هذا السياق مثلًا يمكن أن نفهم مقالته الطويلة التي حواها كتابه الحيوان، في المقارنة بين الكلب والديك، والتي قرأها الكثير من النقاد مقارنة بين قيم الحياة العربية الممثلة في الكلب الذي ينادي الأضياف في الصحراء لإكرامهم، والديك الذي يمثل الحياة الحضرية بضعفها وخيلاءها.

أما في البخلاء فتجد الجاحظ يستهدف الخراسانية، عصب القومية الفارسية، في قسم طويل من كتابه بالسخرية من ولعهم بالبخل، ويقدم صور ساخرة مستهزئة لبعض من اشتهر منهم بالبخل مثل تلك المرأة التي أصابها السقم لأنها لا تدري كيف تستفيد بدماء الذبيحة بعدما استفادت بكل شيء فيها، إلى أن اهتدت أن تستخدم الدماء في صبغ الفخار فبرأت من سقمها.

ثم لا يكتفي الجاحظ من رسم صورته الساخرة لبخل الخراسانيين، حتى يزعم أن البخل أيضًا من خصائص الطيور والدواب التي تعيش في خراسان؛ ومع ذلك فإن كثير من تلك الحكايات الساخرة، تنطوي على أفكار فلسفية تنصب على النفس البشرية وعلاتها، حتى يكاد الكتاب أن يصبح في بعض أجزاءه دراسة نفسية أو اجتماعية حديثة.

وإلى جانب ذلك، فإن قلم الجاحظ في البخلاء يصور للقارئ الكثير من وجوه الحياة الاجتماعية في مرو والبصرة وبغداد في زمانه، فسوف تقرأ كيف كان بعض الموسرين يستخدمون آنية مجلوبة من الصين لتقديم الطعام، يطلقون عليها الصيني، نفس الاسم الذي نستخدمه في مصر لوصف الآنية المصنوعة من البورسلين؛ وسوف تتعرف على فنون الطهي المختلفة التي استخدمت في هذه البلاد مثل الطبخ بالخل أو ما يسمى بالسكباج والذي يشبه ما يقوم به الفرنسيين من الطهي باستخدام النبيذ أو خل العنب؛ كما سوف يتعرف القارئ على عادات الأسواق في ذلك الزمان، ومتى كانت تعرض البضائع ومتى كانت تباع بسعر قليل حتى يفرغ مكانها للبضاعة الجديدة.

وقد أثر بخلاء الجاحظ على العديد من الأدباء بعده، فنجد مثلًا الخطيب البغدادي في القرن الخامس يؤلف كتابًا بعنوان البخلاء يجمع فيه أخبار البخلاء ويحللها؛ ونجد ابن المبرد الحنبلي في القرن التاسع من الهجرة يضع رسالته إتحاف النبلاء، متناولًا فيها ضمن ما تناول البخل وأشعار البخلاء؛ بل أن بعض مؤرخي الأدب ذهب إلى موليير الفرنسي قد استوحى بخيله المشهور من بخلاء الجاحظ.

أما الجاحظ، مؤلف الكتاب، فهو أبا عثمان عمرو بن بحر، عربي تعود أصوله إلى كنانة، ولد في البصرة لأسرة فقيرة؛ وعلى الرغم من شهرته التي أطبقت الأفاق، في حياته وبعد وفاته، إلا أنه قد أمضى حياته كذلك فقيرًا، ولم يمنعه هذا الفقر عن طلب العلم، فكان يبيع السمك بالنهار، ويتفرغ لطلب العلم بقية يومه، وقد بلغ به ولعه بالعلم مبلغه، حتى اشتهر أنه كان يؤجر حوانيت الوراقين -نساخ الكتب وبائعيها- يقرأ في الليل ويبات فيها؛ ولعله أشهر مهووسي الكتب bibliomaniacs في التاريخ الإسلامي، حيث يروى أنه وفاته كانت بسبب سقوط الكتب فوقه فقتلته.

كان الجاحظ مثقفًا موسوعيًا غزير الإنتاج، حتى بمعايير زماننا، وما بقي من كتبه تراث ضخم غير ما ضاع وفقد؛ وكان معتزليًا، وككل المعتزلة أولع بالدراسات اللغوية، وكانت معظم كتاباته تتناول موضوعات لغوية، حتى ولو كان الموضوع العام نفسه بعيد الصلة باللغة؛ ويعتبره بعض العلماء أول من قدم دراسة علمية موسعة عن الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم، في كتاب له مفقود.

من ناحية أخرى، فإن الجاحظ في كتاباته التي تناول فيها معظم معارف عصره، كان يتحرى الدقة قدر إمكانه، فتجده مثلًا في كتابه الحيوان، يراجع الصيادين والسماكين عندما ينقل ما بلغه عن الكائنات الحية، وربما ترك قول عالم أو أديب مشهور، لقول سماك بسيط لا لشيء إلا يرى أن السماك أكثر خبرة بالموضوع الذي يكتب فيه عن قول عالم نقل عن آخر نقل عن غيره دون معاينة؛ ولقد بلغنا عدد غير قليل من مؤلفات الجاحظ، منها الموسوعي مثل الحيوان والبيان والتبيين والتاج وأخبار البرصان والعميان وغيرها.

ظلت كتاب البخلاء يستنسخ ويحتفظ به في المكتبات العامة وخزائن الفضلاء، ولذلك تعددت نسخة، فلما كان العصر الحديث، راحت كثير من الطبعات تصدر عن هذه النسخ دون تحقيق؛ ثم كانت أن قررت وزارة المعارف المصرية اصدار طبعة محققة، وكلفت الشاعر علي الجارم، والأديب أحمد العوامري، والاثنين من أعضاء مجمع اللغة العربية، بتحقيق الكتاب، فاجتهدا في تحقيقه، وأصدرته الوزارة في مجلدين عام 1938، وهذه الطبعة اليوم من نوادر المطبوعات وكنوزها.

ثم حققها مرة ثانية الدكتور طه الحاجري، وصدر تحقيقه للمرة الأولى ضمن سلسلة ذخائر العرب عن دار المعارف في عام 1963، وهذا التحقيق هم الأهم والأكمل بشهادة النقاد للبخلاء، وقد زوده الحاجري تحقيقه بمقدمه وهوامش تكاد تكون نصًا موازيًا وبحثًا علميًا لمحتوى البخلاء.

تقبلوا مودتي.