ألفت عاطف جـ1: الكتابة بالنسبة لي عملية إعادة تدوير

• حاورها: ياسين أحمد سعيد.

– لماذا تكتب ألفت عاطف؟

لا أعرف جوابًا أكيدًا لهذا السؤال، ربما لأني لا أذكر لحظة بعينها قررت فيها أن أكتب، بل إني لا أذكر أصلًا متى بدأت. لقد كانت الكتابة فعلًا طبيعيًا ظهر بشكل تلقائي منذ أن تعلمت كيفية تهجئة الكلمات وكتابتها في كراسات المدرسة. أحببت قراءة الكتب في سن مبكرة، وحينها كنا نمضي أوقاتًا طويلةً في المنزل، جعلتني أمارس تخيل القصص كهواية لتمضية أوقات الفراغ أثناء اليوم، ولتناسي مخاوف ما قبل النوم في المساء، إلى أن صار الأمر مؤرقًا، وكان لابد من تفريغ بعض من هذا السيل على الورق.

وبالطبع اختلفت الدوافع والأسباب بمرور الوقت، وصولًا لهذه اللحظة، لكن الثابت في الأمر أن فعل الكتابة صار جزءًا طبيعيًا من تكويني، ومن المؤكد أنها ستختلف من جديد في كل مرحلة من حياتي.

وأظن أن الكتابة بالنسبة لي في هذه المرحلة، هي عملية إعادة تدوير. كتبت مرة تعبيرًا أثار حفيظة البعض، لكني أحبه، وهو “إعادة تدوير الخراء”. نحن نعيد خلق السماد والطين في الزراعة؛ لتكون النتيجة ثمار وزهور، وبذات الطريقة يمكن إعادة صياغة كل ما في العالم من بؤس ومرض وعبث وجنون، لتكون النتيجة قصة أو قصيدة أو رواية.

– التجارب الأولى:

في الصف الثالث الابتدائي كتبت أجزاء من رواية عن رجل في غيبوبة يسقط في عقله الباطن ويقابل ضميره. يبدو الأمر مضحكًا الآن لكني أذكره كإشارة لنوعية كتابتي منذ بدايتها. بالطبع لم تكتمل الرواية قط، بعدها كتبت الشعر والخواطر لأعوام طويلة. سحرتني السياسة في فترة ما في مراحل ما قبل الجامعة، فكنت أكتب قصائد سياسية هجائية عنيفة، إلى جانب الخط الأساسي لكتابتي الذي لم ينقطع حتى هذه اللحظة، والذي يدور في فلك محاولة الإجابة عن أكثر التساؤلات بساطة وتعقيدًا عن هذا العالم.

أما عن كتابتي السردية للقصص والروايات فبدأت في مرحلة متأخرة نسبيًا، أظن خلال العشرة أعوام الأخيرة.

لا أذكر سوى أنني شاركت بعدد من مسابقات الكتابة، ولم أفز بأي منها، أما في إلقاء الشعر فقد كنت المفضلة دائما في كل المناسبات الطلابية، والآن لا أعرف أي سببا مقنعا لهذا لأنني أدركت أنني أسوأ شخص بالعالم يمكنه إلقاء القصائد.

– انعكاس علم النفس على الكتابة:

العلاقة بين علم النفس والأدب علاقة مثيرة جدًا. فدراسة علم النفس سواء في جامعة أو بشغف وجهد شخصي، تثقل عددًا كبيرًا من مهارات الكاتب، بنفس القدر الذي تثقل فيه قراءة الأدب مهارات وعقلية دارسي علم النفس والمشتغلين به.

ومن زاوية ثالثة فإن الأدب وعلم النفس كليهما على قدر فائق من الأهمية لأي إنسان عادي يسعى للترقي من مستوى الفهم الآلي والإحساس المبرمج مسبقًا تجاه كل مفردات العالم، لمرحلة الوعي بالوعي، حيث يبصر عقله عاريًا متجردًا من كل الدفاعات، ويتولى هو إعادة برمجة نفسه بناء على ما توصل إليه من نتائج في رحلته للبحث عن المعنى.

من العلاقات التبادلية التي تربط بين الثلاث زوايا السابق ذكرهم، يمكن إنتاج عدد لا نهائي من الأفكار والمهارات والأدوات التي تصلح للاستخدام في المجال الخاص بكل منهم.

على سبيل المثال، دراسة أنماط السلوك واضطرابات الشخصية والدوافع والاتجاهات وأثار التنشئة… إلى آخره من كل ما يخص فهم شخصية الفرد، سيؤثر بشكل واضح على بناء شخصيات العمل الأدبي، وعلى قدرة الكاتب على التقمص. سيمنحه القدرة على أن يكون راوي عليم شديد الحساسية وشديد النضوج في آن واحد. وبالعودة للفرد العادي، فإن مجرد محاولته للاقتداء براوي عليم مثالي قادرة على أن تكسبه العديد من المهارات الشخصية والذكاء العاطفي والقدرة على فهم العلاقات وإدارتها.

وبالنسبة لأي طبيب أو معالج أو حتى دارس لعلم النفس بفروعه المختلفة، فإن الأدب يعتبر مادة ينبغي أن تدرس. لقد كان فرويد قارئ شغوف للأدب، ومثله كارل يونج، وهو ما ظهر جليًا في كتاباتهما وعمق من قدرتهما على الرؤية والتحليل.

حتى في عصرنا الحالي، إذا قمت مثلا بمتابعة عدد من الأطباء أو المعالجين النفسيين، سيمكنك -ببساطة ودقة- تخمين هؤلاء الذين يقرأون الأدب، والآخرين الذين لا يعنيهم الأمر. ستتجلى بوضوح فروق شاسعة في فهم العميل، وتقديره، والقدرة على التعامل مع أفكاره ومشاعره بعمق وتفهم، ولنا في كتابات دكتور يحى الرخاوي مثالًا ملهمًا على التكامل البديع بين التجربة الإنسانية العميقة، والشغف بالأدب، ودراسة وممارسة الطب النفسي.

– مرحلة النشر:

نشرت روايتي الأولى “ولا تقربي هذه الشجرة” مع الرواق. أثناء كتابتي للرواية، كنت أضع اسم دار الرواق في مقدمة قائمة دور النشر التي أنوي التواصل معها، وبالفعل أرسلتها لهم فور إتمامها، وتلقيت بعد شهر رسالة رفض، بعدها أرسلت الرواية لعدد كبير من دور النشر، وفي كل مرة كنت أتلقى ذات الرد.

انتابني إحساس غامر بالإحباط والفشل، وكدت أكف عن المحاولة، إلى أن وجدت بالمصادفة إعلان عن مسابقة للرواية في دار الرواق، فأرسلتها فورًا دون تفكير وللمرة الثانية، وفي نفس الفترة أعلنت دار عصير الكتب عن مسابقة مشابهة لنشر الرواية، ولأنني كنت متأكدة من فشلي ومن استحالة فوزي في أي منهما، شاركت بنفس الرواية في المسابقتين، وهي حماقة كبيرة، لم أكن أدركها وقتها.

الرواق رفضت الرواية مرة قبلها بشهور، وعصير الكتب تلقت ما يقرب من الأربعة آلاف رواية حسب ما أعلنوا، وهي أسباب كافية لأنسى أمر المسابقتين تمامًا ولا أفكر في إمكانية الفوز. لكن نتيجة الرواق ظهرت أولًا، وفازت الرواية، وعرفت أنها حصلت على تقييمات مرتفعة من كل أفراد لجنة التحكيم، وكانت مفاجأة رائعة أنستني كل إحباطات العام السابق. وقعت العقد مع الرواق وبدأنا في إجراءات النشر، وفي هذه الأثناء، تلقيت مكالمة من مدير النشر في دار عصير الكتب ليخبرني بأني فزت في مسابقتهم.

“المسابقة ذات الأربعة آلاف مشترك؟” سألت في دهشة، شعرت بفرحة عارمة، ما لبثت أن تحولت لحرج عميق. أدركت حينها فقط أن اشتراكي في مسابقتين بذات العمل تصرف غير مسؤول، يمكن أن يتسبب في الكثير من المشاكل للقائمين على الجائزة. بالطبع اعتذرت عن قبول الجائزة، ولا زلت مدينة بتقديم اعتذار مناسب لعصير الكتب.

وبعدها نشرت الرواية الثانية “الظلام يرى” مع الرواق أيضًا وصدرت في معرض الكتاب 2020م، أما بالنسبة للمجموعة القصصية الصادرة في نفس المعرض، أي أنها آخر أعمالي المنشورة بالرغم من أنها أول أعمالي التي انتهيت من كتابتها، فقد واجهت صعوبة في النشر من نوع مختلف، فالمجموعات القصصية غير رائجة وغير مربحة ولا يتم قبولها بسهولة في دور النشر، وخصوصًا إن كانت لكاتب جديد غير معروف، ولهذا ظلت سنوات في الدرج. في 2017م فازت بمسابقة صالون نجيب الثقافي، وهو ما أعتز به بشدة لما أكنه لهذا الكيان من محبة وتقدير، وبعدها لم أفكر في نشرها إلا حينما أعلنت دار تويا عن مسابقة النشر 2019م.

شاركت بالمجموعة “الموت قبل الأخير” ومنذ اليوم الأول استشعرت مدى التزام الدار واهتمامها بالتفاصيل الصغيرة وحرصها على مستوى معين من الحرفية في إتمام المسابقة، وعندما فازت المجموعة بجائزة النشر، كان مكسبي مضاعفًا، فالمجموعة نشرت، وأنا صرت فردًا من أسرة تويا المحبة الداعمة. وكانت من ضمن هدايا الأستاذ شريف الليثي الذي لا يدخر جهدا في سبيل دعم كل فريق الدار، أن جمعنا بالأساتذة الكبار أعضاء لجنة التحكيم، وأخبرني وقتها أن عددا منهم طلب مقابلتي بعد قراءة العمل. أعضاء اللجنة كانوا على مستوى أشعرني بالخجل من شرف كهذا أحسست أني بعد لا أستحقه، وأخص بالذكر هنا الأستاذ عماد العادلي الذي شرفت بتلقي دعمه وملاحظاته على المجموعة.

أنا أعتبر نفسي محظوظة لأنني تمكنت في النهاية من إخراج أعمالي الأولى مع الرواق وتويا، بالإضافة طبعًا لأول دار نشر تعاملت معها، والتي أصدرت مشكورة ديواني الأول “متلازمة السقوط من الجنة”، وهي دار الثقافة الجديدة ذات الاسم العريق في سوق النشر. كان فخرًا لي التعامل معهم، وشهادة تقدير عزيزة على قلبي، أن عملي الأول يحمل اسمهم على غلافه.

أما بالنسبة لسؤال نشر الكتاب الجدد أعمالهم الأولى على نفقاتهم الخاصة، فأنا بعد لست أهلًا للنصيحة، لكن إن طُلِبَت مني، فسيكون الرد “أرجوك لا”. ببساطة شديدة لأن دور النشر التي تنشر على نفقة الكاتب نوع من اثنين، إما دار –نصابة- أو دار محدودة الموارد، تحاول ممارسة النشر بشرف، لكن بدون رأس مال كاف، وفي كلتا الحالتين لن يرى الكاتب الشاب كتابه على رف المكتبة أبدًا، فباختصار شديد، الدار التي تتكفل بتكاليف النشر، تنظر للكتاب باعتباره أحد مشاريعها. ستبذل جهدا ووقتًا ومالا لإخراجه على أفضل ما يكون، ولتوزيعه والترويج له، أما الدار التي تتقاضى من الكاتب تكلفة النشر، فنظرتها للكتاب مختلفة، وعلى الأغلب ستنقطع علاقتها به بعد خروجه من المطبعة، ولن تبذل أدنى جهد في سبيل وصوله للقارئ.

– المؤلفون المفضلون:

على سبيل المثال لا الحصر من المعاصرين، رضوى عاشور، بهاء طاهر، محمد المخزنجي، بثينة العيسى، طارق إمام، محمد الجيزاوي، سعود السنعوسي، باتريك زوسكيند، تشاك بولانيك.

ومن الأجيال الأقدم، ساراماجو، جورج أورويل، نيكوس كازانتزاكيس، ميلان كونديرا، غسان كنفاني، نجيب محفوظ، يوسف إدريس..

– الأعمال التي تمنيتِ لو كنتِ مؤلفتها؟

رواية 1984، فيلم Truman Show.

– مشروعك القادم؟

رواية أكتب مسوداتها وأتحدث عنها مع أهلي وأصدقائي منذ سنوات. الشخصية الرئيسية في الرواية اسمها عزيز، والآن يسألني المقربون عنه بالاسم، حتى أولادي. بعض أصدقائي يرسلون لي رسائل من وقت لآخر، فقط ليسألوا عن أخبار عزيز.

♣ لقراءة الجزء الثاني من الحوار.

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى)، من رواياته: وراء الحواس، قربان، الأمسية المظلمة.