سياحة المقابر

• تقرير: ياسين أحمد سعيد.

تتناول السطور التالية بعد أبرز المقابر التي تحولت إلى مزارات سياحية، مع التنويه -مقدمًا- أن سنستثني (الفرعوني/ اليوناني/ الروماني/ الموالد/ أضرحة الأولياء أو القديسين)، فقد نخصص لهم حلقات منفصلة مستقبلًا.

■ مقابر العلمين:

اختار القدر (مصر) أن تكون ساحة أحد المعارك الفاصلة في الحرب العالمية الثانية، انتصـرت فيها قوات (الحلفاء) على القائد الألماني الملقب بثعلب الصحراء (روميل)، مما نتـج عنـه دق أول مسمار في نعش تواجد جبهة (المحور) بإفريقيا.

لم يكن (روميل) هو الخاسر الوحيـد، إذ تم زرع نحـو سبعة عشـر مليون لغم أرضي، تسبب في إعاقة التعمير والاستفادة من منطقة (مطروح) الإستراتيجية، بالإضافة إلى مئات الوفيات من المصريين.

خلفت المعركة قدرًا مهولًا من القتلى، أقيمت لهم مقابر منفصلة (جنود كل دولة على حدة)، يزورهم أهلهم وذويهم. كما يشهد شهر أكتوبر حفلًا سنويًا لإحياء ذكرى المعركة بالتناوب بين الطرفين:

جبهة المحور عامًا (ألمانيا، إيطاليا)، بينما يخصص التالي لدول الكومنولث البريطاني ومستعمراته السابقـة، مثل (أستراليا، الهنـد، نيـوزلنـدا، ماليـزيا، جنوب إفريقيا، إلخ).

تقع المقبرة الألمانية على بعد ثلاثة كيلومترات من (العلمين)، أقيمت فوق ربوة عالية على طراز قلاع القرون الوسطى، عليها لوحة تشير إلى أن الأرض مهداة من الشعب المصـري. نظرًا لأن (روميل) أبدى احترامًا لعادات وتقاليد بدو مطروح، يقال أنه رفض اقتراحًا بحرمان قوات الحلفاء من المياه، عن طريق تسميم آبار المنطقة.

إذا انتقلنا خمسة كيلومترات من (العلمين)، سنجد أن الطليان لم يتخلوا عن الأناقة والفخامة حتى في مقابرهم، كما ألحقوا إلى جوارها كنيسة ومتحفًا وقاعة، بالإضافة إلى مسجد ومقبرة خاصة بالليبيين الذين حاربوا إلى جوار صفوف (المحور).

تضم مقبرة دول الكومنولث رفات أكثر من سبعة آلاف جندي وضابط، بالإضافة لأضعاف أضعاف هذا العدد من الجانبين، دفنوا باعتبارهم (مجهولين).

■ المقابر الفاطمية:

من (العلمين) في أقصـى الشمال، إلى (أسوان) في أقصـى الجنوب، ستجد على خارطة الأماكن السياحية هناك.. ما يُدعى بـ (المقابر الفاطمية).

اعتـدت رؤية اللافتـة مرارًا، في الطريق المـؤدي إلى المعهد الذي كنت أدرس فيه، كما أنها تقع في منطقة مميزة ككل- إذ يسبقها قبر (العقاد) ومقر (القناة الثامنة)، بينما أمامها (متحف النوبة).

اعذروا جهلي وعدم تخصصـي، لم أفهم سر اعتبار تلك المدافن مزارًا سياحيًا؛ إذ عجزت -في كل يمر فيها بالمواصلات على المكان- عن رؤية أي شيء مميز، بخلاف أبنية محدودة من الطين.

عندما بحثت قليلًا، وجدت أنهم يعتبرون (قبابها) -تحديدًا- بمثابة مرحلة تطور مهمة في العمارة الإسلامية، يعود تاريخها إلى القرن الرابع الهجري.

■ مقبرة أغا خان:

لا زلنا في (أسوان)، وإن كنا سننتقل إلى الضفة الغربية من النيل، حيث يقع قبر الإمام الثاني والأربعين للإسماعيلية (أحد طوائف الشيعة)، بالتحديد أمام فندق (كتراكت) –الذي اشتهر بكونه موقع تصوير مسلسل (جراند أوتيل)- يعتبر المكان شاهدًا على قصة حب تخطت هوة كبيرة من الفوارق العمرية والحضارية والطبقية، طرفها الأول.. زعيم شيعي عجوز تجاوز الستين عامًا، وقع في غرام بائعة ورد فرنسية تصغره بثلاثين عامًا، رآها في حفل ملكي.

عانى الأمير (محمد أغا خان) في سبيل كسـر حاجز التقاليد التي تفرضها مكانته ومركزه، قبل أن تحصل الجميلة (إيفيت لابدوس) أخيرًا  على لقب (البيجوم)، الذي يطلق على زوجة إمام (الإسماعيلية).

نظرًا لمرض الروماتيزم الذي عاني منه (أغاخان)، استقرا معًا في فيلا بـ(أسوان)، وعاشا حياة هادئة حتى وفاته، فلم تبرح الزوجة البلد، وأصرت على وضع وردة حمراء داخل كأس من فضة، يتم إيداعها فوق قبر الأمير، وتغييرها يوميًا. حتى وافتها المنية عام 2000م، ودفنت إلى جواره.

■ السبع بنات:

صار المكان دون سبب معروف- مقصدًا لمن يرغبون في الإنجاب أو الزواج.. إلخ. كما يشاع أن الأعمال السفلية عمومًا- تصير أكثر فعالية ببركة (السبع بنات). يوجد الموقع أعلى المقطم، قرب منطقة شعبية تدعى عزبة (خير الله)، لذلك لا تندهش إذا ذهبت إلى هناك، فرأيت القباب محاطة بالقمامة، وتمتلئ بالحشرات والحيوانات الأليفة.

سبع مقابر مدرجة (تهدم منهم ثلاث)، تعود إلى العصر الإسلامي، ينسب بناؤها إلى (الحاكم بأمر الله)، يقال أنه تسرع وحكم بالإعدام على بعضهم، ثم شعر بتأنيب الضمير، فشيد السبع قباب كنوع من التكريم والتكفير عن الذنب.

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى)، من رواياته: وراء الحواس، قربان، الأمسية المظلمة.